أصحابي في السجن

فكرت بيوسف عجلان ليلة فوز ريال مدريد ببطولة الدوري، لم استطع تحرير تهنئة لصاحبي المختطف مع مليشيا الحوثي بهذا الفوز، لقد تذكرت أن الصحفي الاستقصائي العزيز محمد العبسي كان متحمسًا للريال حتى قبل اغتياله.
من سيتلقى الرسالة الأول: المختطف أم المقتول؟

 

وفكرت ببقية أصحابي المسجونين، وفي بداية رمضان عزفت عن دخول المواقع الاخبارية والتخفيف من تصفح المواقع الافتراضية كي أعيش روحانية الشهر الفضيل في القرية، وحين قرأت سورة يوسف ودخوله السجن، تذكرت يوسف عجلان.

 

لفقت السيدة زليخا تهمة التحرش ليوسف، يوسف النبي وليس يوسف عجلان، وباعترافها أمام النسوة أكدت:
«لقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكوناً من الصاغرين». كانت امرأة العزيز جميلة لكن يوسف وكما وصفنه نسوة المدينة: إن هذا إلا ملكٌ كريم.
استخدمت زليخا نفوذها في السلطة لسجن يوسف النبي بتهمة ملفقة، أما فرعون فقد استخدم سلطته رأسًا ليتوعد موسى: «لئن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين».

 

مع اختلاف هدف زليخا وهدف فرعون، إلا أن الإنسان يحس باحترام السجان لنفسه وبهدفه التي يسجن عليها: الجمال عند زليخا.. والسلطة المطلقة عند فرعون.
إلى أن تصل إلى السجان الحوثي فتحس بتفاهة السجن والسجان، فعبدالملك لا يمكن أن يكون فرعون على الأقل يخجل الرجل من إعلانها، ولا يمكن لناشطاته وإن جمعنا كل مفاتنهن في واحدة، لا يمكن أن تكون زليخا. سواء بالجمال أو المنصب "امرأة العزيز".


ليحتار السجين: لماذا سجنت؟
كان علي صالح يحشر السجون بأعداد هائلة من الناس، وفي رمضان يقوم بمكرمة الإعتاق، يطلق المسجونين بعفو رئاسي دون أن يعرف الغالبية لماذا سُجنوا؟
بهتة اليمني لا تتوقف، وقد قادته المقادير للمفاضلة بين أكثر الدنيئين السيئين الذين تحكموا بمقاليد البلاد: الحوثي وصالح. كيف وقد اتحد الاثنان على تنغيص الحياة؟


الآن تحولت المدارس إلى سجون، المرافق المدنية أيضًا، المساجد، الصالات الرياضية، البنايات المنهوبة، وأماكن مجهولة تكتظ بمواطنين أتعبوا أهاليهم بالتخمينات في أمكنة الاختطاف.
في بدروم مستشفى بتعز، هناك سجن لمرافقي المرضى وسائقي الدراجات.
السجن كبير
والسجناء يساقون زرافات وغزلانا على قول القائل الذي يرى في عبدالملك غزالاً أهيفا؛ ولكن سلطة المليشيا لاتقتدي بحليفها لتصنع عفوًا زائفًا لإطلاق الآلاف.


أصطدم بصورة الصديق يوسف عجلان على واجهة الموقع، ومنذ أكثر من شهر تبدو الكلمات وكأن على أقدامها الأغلال، عاجزة عن الانطلاق لتقمص حالة صحفي شاب في المعتقل.
يوسف الذي كان ينطلق ببشاشة في شوارع صنعاء على متن دراجة نارية صغيرة، نطلق عليها في القرية اسم "دباب دُب"، وكان يصل إلى الكلية باعتزاز وكأنه على سيارة هامر، غير مكترث لأعين الطالبات اللواتي يصطدن الغزلان الذين يبدون بمظهر ارستقراطي فخيم.


تزوج يوسف وصار أبًا.
واختطفته المليشيا بلا تهمة، حتى تهمة "نشر رأي" غير متوفرة، اللاتهمة هذه، جعلت الكثير يقبعون في السجون، أصحابي الذين درست معهم وعملنا سويًا اختطفتهم المليشيا، كيف يصومون، كيف حال أمهاتهم؟ كيف رمضان بدونهم؟ ويل اللاتهمة التي سرقت من صنعاء المخائل القبلية التي ظلت تتبجح بها علينا:
الرجال ممنوعون من المظاهرات، لا صوت يعلو على المليشيا.
أمهات المختطفين يجلن الشوارع تحت لفح الشمس للمطالبة بالإفراج عن أولادهن، الجلابيب تحترق، الأجساد تتعرض للضرب.


ومثلما ضاعت المخائل القبلية في صنعاء، ضاعت الفشرة المدنية في عدن.
في عدن أيضًا هناك سجن.
لا أعرف ما إذا كانت سلطة الحزام الأمني، قد أطلقت سراح الزميل هاني الجنيد، لقد اختطفته وهو خارج من منزل عبدالرحمن، والد أمجد، الشاب الذي اغتاله مجهولون داخل مقهى.
كنت قد ألغيت صداقة هاني الافتراضية بسبب مواقف من الثورة، أيام الكتابة عن الثورة، يوم أن كانت لدينا صحافة. ويوم كنت أراه أداة في أيدي رؤساء لديهم أجندة تخدم الحوثيين. لتأتي الحرب ويفقد هاني عمله، ويغادر صنعاء، ومن صنعاء إلى تعز مقتنعًا بالمقاومة، ومن تعز إلى عدن، ومن عدن إلى لقف الطاهش المدعم بأنياب عاجية من طوال العمر من جهة الخليج.


يبهت اليمني مرارًا، إذ الفرق الوحيد بين السجان في صنعاء وعدن، يكمن في الأكثرية، أما التشابه فيكمن في غباء السجان، في سجناء بلا تهم، في سجن مجهول.

* مقال خاص بالمصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء