حتى لا يعيد التاريخ نفسه في الجنوب!

في ظل الحكم الشمولي السابق في الجنوب فشل الساسة في التوفيق بين مشروعي الثورة والدولة، فنشب صراع سياسي بين تيارين:

 

الأول: تيار ثوري راديكالي أكثر تشددا في التمسك بالإيديولوجيا، بزعامة عبدالفتاح اسماعيل ورفاقه الأكثر ثورية مثل علي عنتر وعلي البيض وآخرين..

 

والثاني: تيار برجماتي يميل الى البروسترويكا والانفتاح على المحيط العربي، بزعامة علي ناصر محمد ومعه التكنوقراط الحكومي والحزبي.

 

في بادئ الأمر ظل الصراع محصورا داخل أروقة التنظيم الحزبي، ثم انتقل الى مؤسسات الدولة بعد الاطاحة برمز التيار الراديكالي عبدالفتاح اسماعيل، ثم زادت حالة الاستقطاب وبدأ الانقسام داخل صفوف الجيش الذي كان أكثر قادته وأفراده من محافظتي لحج وأبين!

 

 الفشل السياسي في إيجاد تعايش وتكامل بين مشروعي الثورة والدولة -بسبب الطبيعة الشمولية السائدة أنذاك- أدى الى فشل في السيطرة على مسار الصراع، حيث انفلتت الأمور من بين يدي القادة السياسيين وبدأ يتحكم بالمشهد قيادات عسكرية ضيقة الأفق قليلة التشبع بجوهر القضية الأول، ومن هنا بدأ الاستقطاب يأخذ مناحي مناطقية ضيقة وصارت أدوات المعركة تتجه نحو الصفرية والدموية، وهنا تدخلت اجهزة الاستخبارات العالمية لتلعب لعبتها القذرة.

 

هذا الانحراف في جوهر القضية وتحولها من صراع سياسي الى صراع مناطقي وهذا الاختراق الاستخباري هي نتائج طبيعية متوقعة -في اي زمان ومكان- عندما يتصدر لإدارة الصراع السياسي عناصر ضيقة الأفق لا تعرف عن السياسة إلا الزعامة والنفوذ.

 

كانت النتائج في الجنوب كارثية، حيث خُتم صراع العسكر بأحداث يناير الدموية، وحفظت ذاكرة الأجيال مصطلحي "الزمرة" و"الطغمة" كتعبيرين سلبيين عن حالة الفرز المناطقي الضيق، ونسيت الأجيال جوهر القضية الأول الذي كان في الأساس صراع سياسي بين مشروعي "الثورة" و"الدولة" لا علاقة له بالقبيلة ولا بالمناطقية!

 

ولكي لا يعيد التاريخ نفسه، فإن القيادات السياسية الجنوبية سواء التي في صف الشرعية أو التي في صف المجلس الانتقالي أو تلك التي لديها موقف ثالث.. الجميع اليوم أمام مسؤلية تاريخية، فإما أن ننجح في صناعة التعايش والتعدد والتكامل بين المشاريع السياسية، واما أن نفشل ويسقط الأمر من بين أيدي النخب السياسية، ويصبح مستقبل الجنوب بأيدي الطائشين وأمراء الحروب وقادة المليشيات المناطقية، وحينئذ سيعض الساسة الوطنيون أصابع الندم كما عضها أسلافهم من قبلُ!

* وزير الدولة رئيس حركة النهضة الجنوبية

 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

الأكثر قراءة في آراء واتجاهات

اضغط للمزيد

استفتاء