تفاصيل عبثية

يخطر لك ان لحيتك تكبر وفقاً لهمومك الوطنية وانك لست كسولاً بقدر ما انت منهمك في الالام العظيمة.. 
غير أن أول من يصادفك من القروبين القادمين من البلاد يسأل وهو يحدق في لحيتك ما إن كان عليك مشاكل. 

 

تبدو تلك التفاصيل مغوية لمشاهد منتزعة من سير ذاتية لفنانين معزولين اختاروا التواجد المتوحد بين كتبهم واللوحات، وتبدو تلك اللحية لمنفي عميق او متألم جذابة على نحو، وحتى الكسل هو الآخر يبدو شكلاً نشطاً من الوجود لحظة عزوفه عن كل شيء. 

 

لا زلت أنا في المراحل الأولى من سردية مخرج إيطالي قال إنه لا يمكنه الوقوف خلف الكاميرا والتقاط عبثية التفاصيل اليومية إلا ولحيته هكذا، وتتوالى إغواءات الشكل اللامبالي للفنانين والمفكرين الذين تظهرهم تلك الإيحاءات المهملة متأنقين باللا اكتراث. 

 

انت في صنعاء تبدو رثاً إذ تدع لحيتك، ويرتاب عنصر حوثي في نقطة التفتيش في كونك صحفياً، فالصورة في ذهن محيطك الوجودي قد ثبتتك حليقاً على جدار العلم والثقافة. 

 

صديقي الذي أهمل حتى طعامه مكتف بوجبة واحدة، لم يكن إذ يفعل ذلك قد اقتفى نزعة إنكار غذائية أو أنه مثلاً قد حول مقولة "تعبت من التهام الخبز واللحم" إلى إجراء واقعي لفنان سئم كونه جهازاً هظمياً، لا لا هو قد اتبع فكرة الوجبة الواحدة لينحف ويبدو معتلاً وجودياً لحبيبته التي لا تكف تظهر حبها لملامح ديستويفسكي وتسميه "الفاتن النحيل"، لكنه عندما التقاها في الكافيه لم تكد تلحظ أي فتنة في وجوده النحيل وبقيت تتحدث عن "ديستو" هكذا تسميه تحبباً، وراحت تختصر له الأخوة كارامازوف وتمتدح شهوانية ديمتري كارامازوف حد تسميته إله الشره الذي يمكنه التهام القارئ، وفجأة حدقت في وجهه وسألت: فحصت للكوليرا؟ 

 

لحظة اخبرني القصة فكرت كيف أنه وبينما تتداعى بلادك لا يسعك أن تكون نسخة من أحد غير اليمني، ذلك أن جيفارا قد استحوذ على ولع جيل ثوري مفتتن بلحية منشق ليس لديه الوقت، عوضاً عن أن المتأنقين كانوا الصورة المجسدة لمدير الملهى الليلي الحليق ذو السحنة التي تشي بالتفاهة المصقولة إبان ما كانت كوبا مجرد ملهى ونادي قمار لأمريكا. 

 

انت اذ تطلق لحيتك تبقى خارج المشهد الذي قراته في كتاب عن جاذبية الملامح الأقل اكتراثاً. 
لكنها هذه اللحية تبقيك بين أهلك، توحي فقط بالرثاثة أو تذكر بالتدين 
لا أحد يملك الشغف الكافي لوضعك مع لحيتك في كتاب أو تجربة ثورية، عوضاً عن التقاط الهموم الوطنية من ملامح إنسان يحتاج الجميع لوضعه على كرسي الحلاق. 

 

بالنسبة لصديقي فقد غادر صنعاء إلى جهة مجهولة ليس من بينها قريته رغم أنه قد أثخن الفراغ بتمجيد مرويات العودة للقرى، هناك حيث تعبث ريح المغارب بلحيته لحظة اكتفاء وجودي بصورة لا يلتقطها له أحد غير عين الظلام الذي وصل للتو، عودة الفنان والمقاتل وعودة سمك السلامون الى حيث الميلاد بحثا عن أيام السلام الأخيرة. 

 

سألت عنه فقال المؤجر إنه علي أن أدفع إيجاراته المتأخرة وأخبرني صاحب البقالة أنه نسي لديه مجموعة كتب عرضها علي ولمحت فيها نسخة من رواية "الرجال المنسيون من طرف الإله " وأضاف أنها لا تكفي ولو قليلاً هذه الكتب مقابل ديونه للبقالة فالرجل البقال هذا مثقف أيضاً لكنه يكره نهايات المثقفين الذين يهربون مثل لصوص مساكين. 

 

أحلام أجابت برسالة واحدة على مرافعتي المطولة التي كنت ادافع فيها عن لحية صديقي ونحافته الفنية وقد ضمنت بعضاً من الاستعلاء ولمز سطحية الفتاة ضمن منهج مقاومة تدربت عليه مؤخراً. 
قالت أحلام في رسالتها: ما حد يغار من ديستو،، انا أحببت صاحبك كما هو لكنه بلحية أو بدونها لم يتمكن من أن يحب نفسه.
 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء