العلمافية

السلفيون جذابون في الخطابة.
كانوا يلقون الدروس أحيانًا بين المغرب والعشاء، يلهجون بالحديث على نفس واحد، تنفغر أفواهنا نحن الصغار من قدرة فتى بلغ سن الخامسة عشر، على ذلك الإلقاء اللبق عن ظهر قلب وبلا تلعثم.
كنا نتأثر لشهيق الوعاظ هؤلاء، ومرة بكى مستمع على الواعظ وهو لا يدري ما يقول.

 

وإذا ما حلت بمسجدنا جماعة "النية والبطانية" رجال التبليغ، كنا نذهب لنضحك لأنهم يتحدثون بالبلدي، على عكس السلفي إذا أتى من منطقة بعيدة لخطبة الجمعة: نترك اللعب في باحة المسجد وندخل نستمع.


بدأ السلفيون يدعون الناس إلى السلفية، لكن منطقتنا لم تكن ولادة، ذهب قلة لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة من أبناء القرية، ثلاثة أصدقائي. واحد منهم لا يعرف القراءة والكتابة عاد وألقى حديثًا، كانت على رأسه عمة بيضاء وقميص قصير، كان سمينًا وبلا لحية، وكانت "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" ضمن معجزات الخطابة التي يلقيها السلفي الصغير.


وحين يقول وهو يضع سبابته على صدره" أعاذني الله وإياكم من النار"، تستدير رقاب الآباء، ينظرون إلى أبنائهم شزرًا ليتعلموا. كان ذلك قبل عشر سنوات تقريبًا.
أما اليوم فقد شب الصغير الذي ذهب معهم ذات يوم، ولم يعد بينه وبين السلفية أية عرق، صار يحب القات ويدخن بشراهة.


وحين عدت من صنعاء، قبل الحرب الأخيرة بسنتين، جاء أحد السلفيين وألقى درسًا بين المغرب والعشاء، قوة الصوت جعلت الدرس يأتي إلى أذني وأنا داخل الغرفة، كانت الموعظة متشنجة ضد الحوثيين وعرج فيها على فساد "الستلايت" وكانت هذه هي الكلمة الأجنبية الوحيدة في الدرس. وهي الكلمة الأجنبية الوحيدة التي سمعتها من السلفيين طيلة مسيرتهم تقريبًا.


ومما أكده على فساد الدش، قوله:"حتى مذيعات الأخبار... متبرجات".
وبعد صلاة العشاء، أضاف توضيحًا ضد الحوثيين.
في اليوم التالي كان لا بد أن يحضر درسًا للسلام لامتصاص التشنج ضد أواصر الأخوة.


أعد الصديق طارق السكري، هو الآن مقرئ وشاعر وكاتب، يعيش في السعودية، أعد درسًا حضرته ليعقب فيه عن درس السلفي.
كنا نؤمن أن الحوثية خطر، لكنها لا ترقى إلى مستوى ذلك الخطاب الداعي للكراهية والفتنة، كنا متأثرين بالسلام والإنسانية، وقليل من القيم الليبرالية التي اكتسبناها من الاغتراب، كما سنتهم لاحقًا.


كدنا نتسبب بخلاف داخل القرية ومشاكل جمة لو لم نكسر لبعضنا وننسحب بهدوء لتضيع الزوبعة، ويقاطع الضيوف السلفيين منطقتنا لوقت طويل.
هل كنا على خطأ عندما انتقدنا الخطاب السلفي ضد الحوثيين؟
بشاعة الحوثيين محرجة، عندما أتذكر ذلك اليوم الذي قلنا فيه أن تحريض الأخ على أخيه لا يصلح، وتطاولنا على الكبار من مرتادي المسجد الدائمين، أشعر بالإحراج.


أمر السلفيين، محير..
ونقصد بالسلفيين الذين يتلقون الدعم من الخارج، أمثال الشيخ عادل عبده فارع، أبو العباس في تعز، وناصر بن بريك في عدن.
من تحريم الصور وفساد الستلايت، إلى مرتبة متطورة للغاية.


قبل أسبوع، تحدث السفير الإماراتي في واشنطن، أنهم يسعوا لتكون اليمن علمانية. لا أعرف كيف، والمعروف أن التيار السلفي المحدد بأبي العباس وبن بريك، يتلقى الدعم من الإمارات، وقد أصدر "أبو العباس" بيانًا يشكر الإصلاح على بيانه الذي ينتقد الأصوات الناقدة للإمارات، وأشاد أبو العباس بالدور الإماراتي في اليمن الذي لا ينكره إلا جاحد.


على هذا النحو، يمكن دمج العلمانية بالسلفية ونخرج باتحاد هجين اسمه "العلمافية".
والستلايت نشوف له حل، أعاذنا الله وإياكم من المذيعات السيئات.

*مقال خاص بالمصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء