الفيلسوف حسن زيد

كان لجدّي صندوقاً من الخشب، الصندوق ممتلئ بالدفاتر والمساطر والأقلام، كان جدي أميًا، لكنه يحرص أن يوفر جميع المتطلبات المدرسية لأبنائه. سأترك منزلنا وأذهب للعيش في بيت جدي لأحظى بدفتر.


كان اليوم الأول للدراسة كأنه يوم عيد، البناطل جديدة، والوجوه والرؤوس يلتمعان بدهن كريم، من لا يملك الدهن يحرص على اللمعة بالسمن البلدي أو زيت الطبخ. جدي لم يكن يجلب كريمات الشعر على الإطلاق. «عشنا زمن الإمامة حفاة ولم نعرف الرز» كان يقول.


حقائبنا مصنوعة من الشوائل، قطم الرز، قطم السكر، وقطم الملح. المدلل هو من تجتهد أمه لصناعة جيب على الخريطة بإنشيط يفتح ويغلق، كانت قطمة مميزة يحظى بها أبناء الطبقة البرجوازية ليس بمعناها الشائع، ولكن باعتبار أن الطالب صاحب الشوالة ذات الجيب، مرفهًا أحسن من الآخرين، إذ يوجد في حقيبته هذه "عاس وكراث"!.


الذاكرة مليئة بمشاهد المدرسة قبل الحرب، أتذكرها وقد دخلنا الموسم الدراسي هذا العام. أستاذ الفلسفة والمنطق وعلم الاجتماع، صار يتحدث عن حماره الأعجف الذي بدأ يأكل الكراتين، لقد نظف القراطيس من أمام دكاكين القرية، وأكل لحاء القرظ في عملية تشويه غير متعمدة لسيقان الشجر.


في الوقت الذي كان يتحدث فيه أستاذ الفلسفة في البلاد، عن حماره الأعجف، كان وزير الشباب والرياضة في حكومة المليشيا - مع خلوه من الشبة واللياقة- حسن زيد، كان يغرد على تويتر بأنه يبحث عن مدرسة ليتطوع في تدريس الفلسفة. لا تحرك التغريدة هذه الضغينة على المليشيا وحسب، بل وحتى الفلسفة التي انقرضت من المدارس بعد موجة نزوح للأقسام العلمية. 


ازدهار العلوم في فترة الحرب من علامات بدء السلام، إلا في هذا الموضع، فقد تندرج ضمن علامات القيامة، خاصة إذا ما عرفت أن المتحدث عن الفلسفة هو حسن زيد صاحب حزب الحق الذي كان ضمن أحزاب اللقاء المشترك، لقد تحول الحزب إلى الجناح السياسي للمليشيا المسلحة فيما بعد، كما أنه قدّم نفسه كعلّامة في كثير من الأحيان، في الوقت ذاته كان مشيدًا بالشيخ القبلي حميد الأحمر، وقال بأنه مؤهلًا للحكم وأكثر رجل يملك الحنكة، قال ذلك في مقابلات صحفية في 2010، وحين تندلع الحرب يحرق من يؤيدهم حسن منزل شيخه المحنك. صار رأسًا في الانقلاب، يشير لأصحابه بالدوس على رأس الثعبان المخلوع رئيس حزب المؤتمر عبدالله صالح، ثم يلتقي بالأمين العام للحزب.


اشتعل رأسه شيبًا وتجعدت لحيته ووجهه، فصيرته المليشيا وزيرًا للشباب والرياضة. ليوقد شعلتين في شهر واحد، لعيدهم الأسود 21 سبتمبر، وللثورة اليمنية 26 سبتمبر. 


المدارس بلا معلمين، وحسن يغرد على تويتر بأنه "يتمنى أن يجد مدرسة يتطوع فيه بتدريس الفلسفة"، ليس ما يثير العالم من الأستاذ حسن ما كتبه وكأن المداس تكتظ بالأساتذة. ولا لأنه بعثر أوراق سيرته بخلط المتناقضات، ولا لأنه شيبه، ربما وجد في لحيته شيئًا من سقراط. 

 

سقراط على مسرح الموت:


تجمهر الناس في الطريق، طفقوا ينظرون إلى سقراط وهو يقاد إلى الموت.
نظر إلى امرأة وهي تبكي..
فقال لها: ما يبكيك؟
قالت: وكيف لا أبكي وأنت تُقتل ظلمًا؟
فقال لها: فكأنك أردتِ أن أقتل بحق!.


تفلسف سقراط حتى آخر رمق، فجنى ما جناه من حب الحكمة..
أما حسن فهو ليس محب الحكمة بل محب أمين الصندوق. 
قدّم حسن، ورقة لأصحابه طلبًا لنثريات زيارة واحدة قام بها، طلب مئات الآلاف، أحد الصحفيين أكد بأنه لم يقم بالزيارة. ومع ذلك استلم المبلغ الهائل له ولمرافقيه.


أموال البلاد في كروش القيادات المترهلة في صنعاء، لو أنهم يصرفون للمعلمين رواتبهم، ويعفون أنفسهم من مشقة الذهاب إلى المدارس. 


أستاذ الفلسفة الحقيقي لم يعد يتملى الطبيعة ويمنطق الحياة البسيطة، لقد صار يتملى بصمت من الصف الخلفي للمصلين، يتعجب من تفسير قاسم العوجري للقرآن. سمعت أستاذ الفلسفة يقول: هناك رجل كبير كان يقرأ سورة مريم ووصل إلى «ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزّا».. فاستفسر: «كيف أزّا» فتهكم قاسم من جهل الرجل ورد بثقة: «ما انتش داري كيف أزّا، دُغيز».


أعظم درس يمكن أن يقدمه حسن زيد للطلاب، هو أن يترك الحديث عن التدريس.

* مقال خاص بالمصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء