التغول الإيراني في  البحر الاحمر وبحر العرب

التغول الإيراني في البحر الأحمر وبحر العرب (رؤية تحليلية)

المعلوم أن اليمن ينتمي إلى نظامين امنيين اقليميين في آن واحد، بحكم موقعه الاستراتيجي على مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر ببحر العرب.

 

الأول: النظام الأمني لدول بحر العرب، ويبدأ من خليج عدن غربا، إلى خليج عمان شرقا، وصولا الى مضيق هرمز في إطار الامتداد الطبيعي للمحيط الهندي... ويتشكل هذا النظام حاليا من: اليمن (الجنوب) إضافة الى الصومال، وعمان، وإيران، وباكستان، والهند، وجزر المالديف.

 

الثاني: النظام الأمني لدول البحر الأحمر، ويبدأ من خليج عدن وباب المندب جنوبا، وصولاً إلى خليج العقبة شمالا، ويتشكل هذا النظام من: اليمن (الشمال) إضافة الى، جيبوتي، واريتريا، والسودان، ومصر، والسعودية، والأردن، وفلسطين (اسرائيل).

 

لكل نظام من هذين النظامين مصالحه، ومناطق نفوذه التي عادة ما تكون مناطق نفوذ تنافسيه بين النظامين... وهو التنافس الذي قد يؤدي إلى التصادم بين النظامين الأمنيين وتكون النتيجة انفصال النظام الأمني لبحر العرب عن النظام الأمني للبحر الأحمر وبالتالي انفصال اليمن إلى شطرين (شمالي، وجنوبي).

حقيقة التنافس والصراع بين هذين النظامين الأمنيين الإقليميين في هذه المنطقة الاستراتيجية له مرتكزات تاريخية ثابتة وأخرى معاصرة وراهنة، وكلها مرتكزات معلومة لدى شعوب هذه المنطقة، ويمكن إجمالها بالتالي:

 

  • المرتكز التاريخي (مرحلة ظهور الإسلام)

ما هو معلوم تاريخياً بأن إمبراطورية الروم كان لها نفوذ واسع ومؤثر على النظام الأمني للبحر الأحمر، أو ما يسمى في حينها بـ(بحر الحبش) وذلك من خلال عمقها الإقليمي بالحبشة...حيث عرف عن الأحباش أنهم أمة تابعة للدولة الرومانية وحارسة لحدودها الأمنية في القطاع الإفريقي للبحر الأحمر...والروم إمبراطورية مسيحية لها مركزها بالشام بالقرب من خليج العقبة، وتحديداً في (المنطقة الصخرية في بتراء الأردن المحاذية للكيان الإسرائيلي حاليا).

المعلوم أيضا: بأن امبراطورية فارس كانت هي الأخرى تسيطر على النظام الأمني لبحر العرب أو ما يسمى بـ(بحر فارس)....والفرس أمة سكنت شرق الجزيرة العربية وامتد نفوذها إلى المحيط الهندي ومعظم ساحل بحر العرب الممتد إلى شرق إفريقيا عبر الصومال.

 

الثابت تاريخياً: بأن الرومان استخدموا ذراعهم الأمني في البحر الأحمر (الحبشة) ودفعوا بالأحباش عبر باب المندب إلى بحر العرب، من ثم احتلوا اليمن (جنوب الجزيرة العربية) ... وفي الاتجاه نفسه، فقد ثبت تاريخياً أيضاً بأن امبراطورية فارس هي الأخرى أوعزت إلى حليفها الأمير (سيف بن ذي يزن) بطلب النجدة من الفرس ومن ثم الاستعانة بالنظام الأمني لبحر العرب بقيادة الفرس، وهو ما فتح الباب لدخول حملة عسكرية فارسية الى اليمن تمكنت من دحر الأحباش واحتلال اليمن في آن واحد.

 

أما بالنسبة لمنطقة الجزيرة العربية، فالمعلوم عنها أنها كانت تعيش في ظل حالة من الاستقطاب الدولي الحاد لهذين النظامين؛ بحكم وقوعها في منطقة الوسط... أي في حالة شد وجذب بين النظام الأمني للبحر الأحمر في الحبشة بقيادة الروم والنظام الأمني لبحر العرب بقيادة فارس... وظلت على هذا الحال إلى أن أنعم الله على الأمة ببزوغ فجر الإسلام وخاتم الرسالات.

كانت هذه الحالة من الصراع الأمني والتنافس الاستراتيجي في إطار هذين النظاميين الأمنيين واضحة لدى الرسول صلى الله عليه وسلم منذ أن بدأ بنشر دعوته، وتبليغ رسالة ربه للعالمين، لاسيما وأن مكة حيث مركز الدعوة الإسلامية في وسط الجزيرة العربية كانت في حينها لا تزال تعيش آثار الصراع بين هذين النظاميين بأبعاده السياسية، والاقتصادية، والأمنية؛ وهو ما يدل على أن هذين النظامين - في لحظة بزوغ فجر الإسلام- كانا في ذروة فاعليتها، ويشكلان بحكم تنافسهما تهديداً أمنيا لمنطقة الجزيرة العربية... فالنظام الأمني لمنطقة البحر الأحمر كان يستند على قوة الرومان، وفي عهدهم وصلت قوة الدولة الأكسومية في الحبشة إلى ما وراء النيل، كما أن ساحل إريتريا هو الأخر كان بمثابة الأسطول العسكري الفاعل الذي بمقدوره تطويق الجزيرة العربية عبر البحر من الغرب... والأهم من ذلك فإن ملوك هذه الدولة كانوا قد اشتهروا قبل الإسلام بالعدل والحرية، وبكراهية الظلم؛ وهو ما يزيد من فاعلية نظامهم الحضاري ويمد من نفوذه.

 

أما علي صعيد النظام الأمني لبحر العرب، فقد كان هو الآخر يخضع كليا لهيمنة الفرس بقيادة باذان، الذي كان في لحظة بزوغ فجر الإسلام والياً على عدن في بحر العرب، وكذا على صنعاء وضواحيها، وقسم من شبه الجزيرة العربية؛ ولهذا كانت اليمن في عهد باذان لا تزال تشكل مركز الاستقطاب والثقل في الجزيرة العربية، ويمكن الاستشهاد على ذلك بتصورات الملك الفارسي لدور اليمن في الجزيرة، عندما أرسل هذا الملك إلى واليه في اليمن يأمره بالقبض على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم في الحجاز واحضاره إلى المدائن حيا أو ميتاً...وفي ذلك دلالة على ما كانت تمثله اليمن من أهمية استراتيجية لفارس، باعتبارها الذراع الأمني الفارسي الذي بإمكانه أن يطال وسط وشمال الجزيرة العربية برمتها وبالتالي يصل إلى المركز للقبض على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.

على هذا الأساس ولأهمية هذين العمقين الاستراتيجيين، ولما يشكلانه من تهديد للجزيرة العربية حيث مركز الدعوة الإسلامية؛ فقد كانت استراتيجية الرسول صلى الله عليه وسلم هي إيصال الدعوة سلمياً إلى المركزين السياديين لهذين النظاميين الأمنيين، ومن ثم إخضاعهما لسيادة واحدة، حتى يسود الأمن والاستقرار منطقة الجزيرة العربية كلها.

المعلوم في هذا الوضع، واستناداً إلى هذه الاستراتيجية النبوية؛ فإن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت فعلاً قد وصلت إلى المركز السيادي للنظام الأمني الفارسي لبحر العرب، حيث اهتدى باذان (والي كسرى في اليمن)، ودخل الإسلام استجابة لدعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 

ما ينبغي الإشارة إليه في هذا الوضع:  أنه عندما أعتنق باذان الإسلام كان لا يزال والياً على عدن في بحر العرب وكذا على صنعاء وضواحيها وقسم من جنوب شبه الجزيرة العربيّة، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعاد تعيينه من جديد واليًا على تلك المنطقة التي كانت تقع أصلا تحت نفوذه قبل أن يسلم...أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد من عملية إعادة تعيينه على هذا النحو، هو إكسابه الشرعية السيادية الجديدة للدولة الإسلامية؛ وبالتالي تحريره كليا من شرعية الدولة الفارسية...وبهذا التعيين يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد سحب البساط السيادي في اليمن عن المركز الكسروي في فارس، ومن ثم نقله إلى سيادة المركز في الدولة الإسلامية في مكة... على هذا الأساس يمكن القول أنه بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لباذان للدخول في الإسلام، ومن ثم إعادة تعيينه من قبله صلى الله عليه وسلم واليا على اليمن بالشرعية السيادية الجديدة للدولة الإسلامية، تكون الدولة الإسلامية بهذا الإجراء قد هيمنت على النظام الأمني لبحر العرب بكل قوامه السيادي والاستراتيجي.

 

أما بالنسبة للعمق الاستراتيجي الأخر المتصل بالنظام الأمني للبحر الأحمر فقد كانت الخطة الأمنية للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم تقتضي البحث عن قاعدةٍ أمنية أخرى جديدةٍ للدعوة غير مكة...قاعدة جديدة تحمي العقيدة وتكفل لها الحرية، بحيث تظفر بحرية الدعوة وحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة، وهذا في تقدير الكثير من كتاب السيرة النبوية هو السبب الأول والأهم في هجرة الصحابة رضوان الله عليهم إلى الحبشة؛ ولهذا فإن الاقتصار على القول بأن الصحابة رضوان الله عليهم هاجروا إلي الحبشة  لمجرد النجاة بأنفسهم لا يستند إلى قرائن قويةٍ، فلو كان الأمر كذلك لهاجر إذاً أقل الناس وجاهةً وقوةً ومنعةً من المسلمين، غير أن الأمر كان على الضد من هذا، فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة لم يهاجروا، إنما هاجر رجالٌ ذوو عصبيات، لهم من عصبيتهم في بيئةٍ قبليةٍ ما يعصمهم من الأذى...أي أن المهاجرين إلى الحبشة كانوا في حقيقتهم وجهاء، وأصحاب منعة وقادة رأي وأقدر على التأثير في أهل البلد الذي سيهاجرون إليه... من هذا المنطلق، يمكن القول بأن هؤلاء المهاجرين من الصحابة رضوان الله عليهم كانوا في حقيقة أمرهم سفراء الإسلام على الأرض الجديدة، وقد أسلم على يديهم حليف الرومان في الحبشة (الملك النجاشي)، فكان ذلك فتحاً جديداً للإسلام...وهو الفتح الذي بموجبه وصلت الدعوة الإسلامية إلى المركز السيادي للنظام الأمني للبحر الأحمر... ومن هذا المنطلق، يمكن القول أنه بإيفاد الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الكوكبة من المهاجرين إلى الحبشة، وبدخول الملك النجاشي في الإسلام على يد هذه الكوكبة من المهاجرين تكون الدولة الإسلامية بهذا الإجراء قد هيمنت كلياً على العمق الاستراتيجي الأمني للبحر الأحمر.

 

 

خلاصة ما يمكن قوله في هذا المرتكز التاريخي: أنه بوصول الدعوة الإسلامية إلى صميم وضعها السيادي في صنعاء، وما ترتب عن ذلك من دخول (باذان) في الإسلام، وإعادة تعيينه والياً على اليمن بالشرعية السيادية الجديدة للدولة الإسلامية، وكذا وصول الدعوة الإسلامية إلى الوضع السيادي في الحبشة، وما ترتب عن ذلك من دخول (النجاشي) في الإسلام تكون الدولة الإسلامية قد سيطرت سلمياً بشكل كامل على النظامين الأمنيين للبحر الأحمر وبحر العرب بكامل قوامهما السيادي والاستراتيجي، ليتحول مضيق هرمز والمنطقة المجاورة له من فارس وكذا مضيق باب المندب والمنطقة المجاورة له من القرن الإفريقي إلى عمقين إقليميين استراتيجيين للدولة الإسلامية في الجزيرة العربية... بعد إن ظلا فترة من التاريخ قبل الإسلام في حالة صراع مستمر يهدد الأمن والاستقرار في الجزيرة العربية... ومن حينها لم يعد اليمن الذي كان تحت هيمنة فارس سوى عمقاً وطنياً داخلياً للدولة الإسلامية في الجزيرة العربية... أما العمقين الإقليميين للدولة الإسلامية في الجزيرة العربية فهما القرن الأفريقي بالقرب من باب المندب غرباً، ومنطقة الأهواز بالقرب من مضيق هرمز شرقاً.

 استمرت هذه الوحدة بين هذين النظامين الأمنيين واندماجهما في سيادة إقليمية واحدة في دولة الخلفاء الراشدين، والدولة الأموية، والدولة العباسية، وحتى دولة الأتراك وبداية الحروب الاستعمارية في المنطقة، وصولاً إلى نهاية الحر العالمية الثانية، وما أعقبها من تداعيات بفعل أحداث الحرب الباردة التي شكلت تهديداً مباشراً لوحدة هذين النظامين الأمنيين في التاريخ المعاصر.

 

  • المرتكز المعاصر (زمن الحرب الباردة)

لقد تحول العالم بفعل الحرب الباردة إلى ساحة للتنافس بين الولايات المتحدة ومعها إسرائيل من جهة باعتبارهما ورثة (الرومان)، وكذا الاتحاد السوفيتي من جهة أخرى كإمبراطورية جديدة وارثة لمناطق الإمبراطورية الشرقية القديمة (فارس) ...وعلى إيقاع هذه الحرب انتشر النفوذ السوفيتي في عدد من المناطق العربية والإسلامية محمولا على الأفكار والتنظيمات اليسارية ومن هذه المناطق (جنوب اليمن) على ساحل بحر العرب وهو ما أدى إلى احتدام الصراع الدولي مجددا في هذه المنطقة، وكان من نتائجه انفصال النظامين الأمنيين لمنطقة البحر الأحمر ومنطقة بحر العرب عن بعضهما.

 

ورغم التحرك الأمريكي ضد إمكانية سقوط اليمن الشمالي في أيدي الاشتراكيين من أنصار الاتحاد السوفيتي، إلا أن ذلك التحرك لم يكن من أجل الحفاظ على اليمن، كون اليمن لا تحتل أهمية كبيرة في الاستراتيجية الأمريكية، إلا من كونها منطقة الخط الفاصل بين المد الاشتراكي الثوري القادم من جنوب الجزيرة وبين منطقة وسط وشرق الجزيرة العربية والخليج حيث المصالح النفطية للولايات المتحدة الأمريكية.

 

أما على مستوى الضفة الإفريقية من منطقة البحر الأحمر فقد عملت الولايات المتحدة على مضاددة الوجود السوفياتي في منطقة القرن الأفريقي بمنح دور أمني للكيان الإسرائيلي في هذه المنطقة التي خضعت قديماً لإمبراطورية الرومان في بحر الحبش، وهدف الأمريكان من منح هذا الدور لإسرائيل هو الحيلولة دون وصول الاتحاد السوفياتي إلى المياه الدافئة القريبة من الأطلسي غرباً.

 

في ضوء ما تقدم، نستطيع القول بأن منطقة العمقين الاستراتيجيين للبحر الأحمر وبحر العرب ظلت على هذا الحال المنفصم والمتصارع إلى أن انهار الاتحاد السوفياتي بكامل قوامه الاستراتيجي في المنطقة، وبهذا الانهيار يكون النظام الدولي (ثنائي القطبية) قد انهار هو الاخر ليتحول العالم  إلى النظام الدولي الجديد (أحادي القطبية) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل في المنطقة، ومن ثم اندماج النظامين الأمنيين للبحر الأحمر وبحر العرب تحت سيادة دولية وإقليمية واحدة وهو ما انعكس إيجابياً على تحقيق الوحدة الاندماجية بين شطري اليمن... وكذا انهيار النظام الشيوعي الأثيوبي بقيادة منجستو هيلا مريام في الضفة الإفريقية المقابلة... وقد ترجمت الولايات المتحدة استراتيجيتها الجديدة في هذه المنطقة باعتماد سياسات موالية لإسرائيل وتأييد استقلال أريتريا، كل ذلك في إطار اندماج النظامين الأمنيين للبحر الأحمر وبحر العرب في النظام الدولي الجديد (احادي القطبية) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

 

أهم ما ينبغي الإشارة إليه في هذا الوضع...أن انهيار الاتحاد السوفيتي كان قد أحدث فراغا استراتيجيا هائلاً في منطقة الشرق الإسلامي، وهو الفراغ الذي سعت إيران إلى استثماره منذ وقت مبكر، ومن ثم قدمت نفسها كبديل استراتيجي للإمبراطورية المنهارة في منطقة الشرق الإسلامي، باعتبارها أهم مكون حضاري في هذه المنطقة الشرقية ومن ثم ظهرت بمظهر الغيور والمدافع عن منطقة الشرق والرافض لأن يسلم الشرقيون مركزهم القيادي للغرب...ومن حينها بدأ الصراخ الإيراني المطالب بضرورة إبقاء الشرق مستقلاً بمركزه القيادي وتراثه الحضاري والديني عن الغرب...والقصد من هذا الصراخ الإيراني هو تهيئة الساحة الإقليمية والرأي العام في المنطقة لاستقبال الكيان الإمبراطوري الفارسي الجديد بمفهومه التاريخي باعتباره الكيان القائد للشرق.

 

 

 

  • المرتكز الراهن (زمن الفضاء الإمبراطوري الفارسي الجديد)

في أواخر عام 2001م، وبالتحديد عقب أحداث 11 سبتمبر، وانطلاق الحرب الدولية ضد الإرهاب، بدأت اللجنة التي شكّلها القائد الأعلى للثورة الإيرانية من كل من الحكومة الإيرانية، ورئاسة الجمهورية، والمراجع الدينية، ومكتب قائد الثورة، تُعد مشروع الاستراتيجية الإيرانية لتحديد مستقبل إيران في الخارج، ومن ثم رسم الشكل الإمبراطوري لإيران في المنطقة... وفي أواخر عام 2004م، أعلنت الحكومة الإيرانية أنها توصلت إلى صوغ استراتيجية إيرانية تحدد المعالم المستقبلية لوضع مستقبل إيران في منطقة جنوب غرب آسيا عام 2025م، وتُعرف هذه الاستراتيجية باسم "الوثيقة الإيرانية العشرينية" (من عام 2005م – عام 2025م)، أو الخطة الإيرانية العشرينية "إيران: عام2025". وهي تُعتبر "أهم وثيقة قومية وطنية بعد الدستور الإيراني"؛ كونها تضع التصورات المستقبلية للدور الإيراني خلال عشرين عامًا، وتهدف إلى تحويل إيران إلى نواة مركزية لهيمنة إقليمية في منطقة جنوب غرب آسيا كلها، وهي منطقة ذات أربعة أضلاع تحدها الحدود الغربية للهند والصين والحدود الجنوبية لروسيا والحدود الشرقية لأوروبا وأفريقيا، والحدود الشمالية للمحيط الهندي.

 

هذه المنطقة التي تطمح إيران أن تكون فضائها الإمبراطوري بها خمس نظم تحتية هي: الخليج الفارسي، والقوقاز، وآسيا الوسطى، ومنطقة الشرق الأوسط وتحديداَ المنطقة العربية التي تشمل شبه الجزيرة العربية، وبلاد الشام، ومنطقة البحر الأحمر، وصولاً إلى صحراء سيناء المصرية)، إضافة إلى شبه القارة الهندية, حيث تقع إيران في بؤرة هذا الفضاء الإقليمي المحوري للنظم الخمس , وفي وسط المنطقة  الواقعة على ساحتي الحضارة الإيرانية والإسلامية أو ما يعرف  باسم مشروع "حوزة إيران الحضارية" أو "إيران الكبرى"، والتي تشمل - وفقًا لما قاله مصمم الوثيقة العشرينية وكاتب خطها السيد محسن رضائي - المنطقة الواقعة على حدود الصين شرقًا والمحيط الهندي جنوبًا والخليج الفارسي غربًا، والقوقاز وبحر قزوين شمالاً. وفي هذه الحوزة -كما يقول رضائي- تحظى الثقافة الفارسية بأهمية خاصة لأنها ترتبط بالحوزة الحضارية الإيرانية (يقصد تاريخ الإمبراطورية الفارسية)، والمكانة العلمية والاستراتيجية التي تحظى بها إيران في هذه المنطقة..

على هذا الأساس يمكن القول بأن عدد المناطق الاستراتيجية في إطار هذا الفضاء الجغرافي الملاصق لإيران والمحيط به هي: خمس مناطق استراتيجية بعناصرها الاستراتيجية ومواقعها الجغرافية وفقاَ للترتيب التالي:

 

المنطقة الأولى:

هي منطقة الداخل الإيراني، بكافة عناصرها الاستراتيجية المحددة بمساحتها الجغرافية، وتركيبتها الديموغرافية، ونظامها السياسي، ومشروعها الثوري، وثروتها الاقتصادية، وسلاحها النووي، باعتبارها منطقة العمق السيادي الداخلي لإيران ومرتكز مشروعها الإمبراطوري نحو الخارج.

 

المنطقة الثانية:

تشمل هذه المنطقة العمق الاستراتيجي الملاصق لإيران من جهة الغرب والجنوب، حيث يقع العراق وأجزاء من دول الخليج العربي، ومن جهة الشرق والشمال حيث تقع أفغانستان وتركمانستان وباكستان.

 

المنطقة الثالثة:

وهي المنطقة الاستراتيجية المحيطة بالموقع الملاصق لإيران من جهة الشمال والشرق حيث تقع دول القوقاز أحد مواقع حوزة إيران الحضارية، ونقطة تلاقي الحضارتين الإسلامية والمسيحية إضافةً إلى موقع آسيا الوسطى، الذي يربط إيران والصين بطرق الحرير الدولية.

المعلوم عن هذه المنطقة بأنها شكلت عبر التاريخ إلى جانب المنطقة الثانية الجسم الإمبراطوري الفارسي، حيث اللغة الفارسية التي لازالت هي السائدة حتى اليوم في دول هذه المنطقة.

 

المنطقة الرابعة:

وهي المنطقة المحيطة بالموقع الملاصق لإيران من جهة الغرب والجنوب حيث تقع شمال شبه الجزيرة العربية، والشام، وتظم هذه المنطقة سوريا كدولة محيطة بالعراق الملاصق لإيران، فضلاَ عن أنها تمثل مع لبنان رأس الحربة الإيرانية الموجهة نحو إسرائيل (كما تقول إيران وتدعيه).

تحتل سوريا ومعها لبنان الأهمية الاستراتيجية الأولى لدى إيران، باعتبارهما تشكلان ساحة صراع وهمية مع الغرب عبر الجبهة الإسرائيلية في الجولان وشمال إسرائيل، وهو الصراع الذي تريد إيران من خلاله الوصول إلى التسوية النهائية مع الغرب والتي بموجبها تعترف أمريكا بنفوذ إيران كقوة إقليمية رائدة ذات نفوذ إمبراطوري على منطقة جنوب غرب أسيا مقابل اعتراف إيران بإسرائيل.

 

المنطقة الخامسة:

هي منطقة وسط وجنوب الجزيرة العربية وشرق إفريقيا، وتظم هذه المنطقة : المملكة العربية السعودية، وبحر عمان، واليمن، واريتريا، وجيبوتي، والصومال، وأجزاء من مصر والسودان، وصولاً إلى صحراء سيناء، حيث تمثل هذه المنطقة ساحة الصراع الثانية مع الغرب وإسرائيل عبر سيناء، وبالتالي فإن أهمية هذه المنطقة استراتيجيا تكمن في أنها تمثل الخط البحري الممتد من ساحل عمان المتاخم للمياه الإيرانية حتى خليج السويس المتاخم لصحراء سيناء المصرية، مروراً بالمياه اليمنية في بحر العرب، وخليج عدن، وباب المندب، ومن ثم الدخول إلى البحر الأحمر وصولاً إلى خليج السويس ...أي أن هذا الخط البحري بلغة الحروب هو خط التفاف يستخدمه المحارب الإيراني انطلاقا من إيران وبحر عمان واليمن عبر باب المندب والبحر الأحمر وصولاً إلى سيناء، حيث الجبهة الخلفية للصراع مع إسرائيل على محور غزة (كما تقول إسرائيل وتدعبه)؛ ولهذا تحتل منطقتي البحر الأحمر وبحر العرب الأهمية الأولى لإيران، باعتبارهما تمثلان الخط البحري الذي يربط إيران بسيناء المصرية، إضافة الى موقعهما الاستراتيجي المهم في آخر متر من مساحة غرب آسيا، فضلاً عن أنهما بوابة عبور نحو أفريقيا. 

 

على هذا الأساس يمكننا توصيف الوضع الاستراتيجي لهذه المناطق الخمس باعتبارها مناطق الكيان الإمبراطوري الفارسي الجديد على النحو التالي:

  1. تعتبر المنطقة الأولى بكافة عناصرها الاستراتيجية: هي المنطقة التي يتحقق بها  المركز الإمبراطوري الفارسي كونها منطقة العمق السيادي الداخلي للإمبراطورية ومحور ارتكاز لمنطقة الفضاء الإمبراطوري الخارجي، ويعتبر البرنامج النووي الإيراني اهم عنصر استراتيجي من بين عناصر القوام الاستراتيجي التي تشكل هذه المنطقة باعتباره الحامي لهذا المركز من أي تهديد خارجي.
  2. تعتبر المنطقتين الثانية والثالثة هما المنطقتان اللتان يتحقق بهما المساحة الفعلية لمركز الكيان الإمبراطوري الفارسي كون هاتين المنطقتين تشكلان أهم المساحات الجغرافية، والمواقع الاستراتيجية، والشعوب الموالية، والتراث الحضاري. واللغة المشتركة، والتاريخ المشترك، لمنطقة الفضاء الإمبراطوري الفارسي في جنوب غرب اسيا.
  3. تعتبر المنطقة الرابعة هي المنطقة الضامنة والحامية للفضاء الإمبراطوري، وبالتالي فهي منطقة الاشتباك مع القوى الغربية المعادية ظاهرياً لإيران، وثورتها الإسلامية وفي المقدمة (إسرائيل) والهدف هو إحياء منطق الصراع الفارسي الروماني القديم باعتبار هذه المنطقة (بيزنطه الجديدة).

 

  1. تعتبر المنطقة الخامسة هي المنطقة الحاملة للرداء الإمبراطوري إلى نصف الكره الأرضية في إفريقيا فضلاً عن أنها منطقة الالتفاف العسكري الموصل إلى جبهة الاشتباك الثانية، مع الغرب من خلال الجبهة الإسرائيلية انطلاقا من سيناء في حال فقدت إيران المنطقة الرابعة كمنطقة اشتباك مع إسرائيل من جهة أولى.

 

نظرا لأهمية هذه المناطق الخمس فإن إيران تنظر إليها باعتبارها مناطق نفوذ سيادي وفضاء امبراطوري لا يمكن المساومة بها او التسليم بفكرة الحوار عليها مع أي قوى دولية أو إقليمية ومن أجل ذلك عززت القيادة الإيرانية الحاكمة من قبضتها على المنطقة الأولى؛ باعتبارها العمق الاستراتيجي الداخلي، ومن ثم بدأت تنسج الاستراتيجيات والسياسات وتحشد الامكانيات المادية والعسكرية في اتجاه تصدير الثورة، ومن ثم التوسع في منطقة الفضاء الإمبراطوري الخارجي في إطار المناطق الأربع الأخرى.

ما يهمنا في هذا الوضع هو تسليط الضوء على المنطقة الخامسة ضمن مجموع المناطق التي تشكل هذا الفضاء الإمبراطوري، وتحديداً المنطقة الممتدة من بحر عمان إلى قناة السويس وصحراء سيناء كونها المنطقة التي تضم النظام الأمني لبحر العرب، وكذا النظام الأمني للبحر الأحمر وذلك لارتباط هذه المنطقة بموضوع وأهداف هذه الرؤية التحليلية...وانسجاماً مع هذا الاختيار سوف نستعرض مجمل الاختراقات الإيرانية السياسية والاجتماعية والدينية لمجتمعات وجغرافيا هذه المنطقة وذلك وفقاً للتفصيل التالي:

 

أولا: على صعيد منطقة بحر العرب

  1. تسعى إيران حالياً من الاستفادة من مجمل الاتفاقيات الأمنية الموقعة بينها وبين الدول الأعضاء المطلة على بحر العرب خصوصاً عمان، واليمن، الصومال... فبموجب هذه الاتفاقيات تستطيع القطع البحرية الإيرانية أن تجوب ساحل بحر العرب للمراقبة والاستطلاع، وبحرية كاملة حتى تصل إلى خليج عدن من بحر العرب وكذا الساحل الصومالي المتاخم لخليج عدن، إلا أنها قد لا تتمكن من تجاوز هذه المنطقة والولوج إلى منطقة البحر الأحمر كون إيران لا تنتمي إلى النظام الأمني المخصص لدول هذه المنطقة.
  2. تسعى إيران من الاستفادة القصوى من الحالة العمانية رسمياً وشعبياً بحكم الموقع الذي تحتله عمان بالقرب من مضيق هرمز .... ومن أوجه هذه الاستفادة ما يلي:
  • من الناحية الرسمية: فإن سلطنة عمان كما هو معلوم لم تنخرط في التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية لتحرير اليمن من القبضة الإيرانية، والمبرر العماني هو أن السلطنة تشترك مع ايران في نظام امني اقليمي واحد هو (بحر العرب) وبموجب هذا النظام يصبح من المتعذر على السلطنة التوفيق بين المشاركة في التحالف العربي والتزاماتها الأمنية نحو إيران كشريك أمني في منطقة بحر العرب.

 

  • تعمل إيران من الاستفادة من عدم هذه المشاركة العمانية بغية عزل عمان عن أخواتها في مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي يسهل على إيران ادماج عمان أمنيا في منظومة الأمن الإيراني إلى الحد الذي تصبح فيه عمان مجرد بوابة لإيران على بحر العرب.
  • تعتبر عمان هي الدولة الوحيدة من دول مجلس التعاون الخليجي التي تطل على بحر العرب، ولهذا تحاول إيران بشتی الطرق إغراء عمان بهذا الموقع والاستفادة منه بمعزل عن اخواتها في مجلس التعاون، ولو بدفع عمان إلى الاستقواء بإيران بحكم شراكتها الأمنية في النظام الأمني لبحر العرب...ومع ذلك فإن السلطنة ليست بهذه السهولة من الإغواء فلديها قيادة رصينة وعلى قدر من الدهاء الكافي الذي يمكنها من الاستفادة من موقعها كشريك لإيران في الوقت نفسه تعزيز وحدتها بدول مجلس التعاون الخليجي.
  • أما على المستوى الشعبي فإن إيران تعمل جاهدة على الاستفادة من الحالة الأباضية والقيام بمزيد من التقارب مع المذهب الأباضي العماني وتوجيهه نحو مصادمة مذهب أهل السنة والجماعة في المنطقة...كل ذلك يتم تحت لافتة الحوار الديني والتقريب بين المذاهب.

 

  1. تسعى إيران من الاستفادة من الحالة الشعبية لجمهورية أرض الصومال (شمال الصومال) من خلال اختراقها للمجتمعات المحلية في هذه المنطقة، وإثارة النعرات السلالية في المكون السني والفرق الصوفية إضافة إلى إثارة النزعات العرقية، وعلى سبيل المثال بدأت العديد من الأصوات في شعب جمهورية أرض الصومال تطالب بالتسليم لإيران بالولاية الدينية على شعب هذه الجمهورية التي تنتمي إلى منظومة بحر العرب كون شعب هذه الجمهورية في نظر هذه الأصوات ينتمي إلى سلالة الأشراف الإسحاقيين من أصول (الأبناء) أي أنهم من أشراف آل البيت، ومن عنصر فارسي أيضا رغم عدم واقعية مثل هذا الطرح.
  2. كان بعض المراقبين في الماضي يسمعون همساً بأن إيران تتطلع إلى قيام اتحاد أو رابطة أو نسق تعاوني لدول بحر العرب، والهدف من ذلك هو شق مجلس التعاون الخليجي بسحب عمان وضمه مع  اليمن إلى هذه الرابطة، إلا أن هذه الفكرة تبخرت بسبب عدم موافقة الدول الأخرى من دول بحر العرب لاسيما الهند وباكستان.... ونتيجة لهذا الفشل الإيراني في الماضي بدأت إيران في الآونة الأخيرة وتحديدا بعد عاصفة الحزم تعمل بصمت وسرية تامة لإنشاء رابطة شعبية باسم شعوب ما بين المضيقين (أي مضيق هرمز و باب المندب) ويبدو أن هذه الرابطة في الوقت الحالي ليست سوى نسق استخباراتي إيراني لتجميع بعض الكيانات الاجتماعية السواحلية في منطقة ما بين المضيقين...إلا أنه في حال تعزز الحضور الإيراني أمنيا وعسكريا في بحر العرب قد تشكل هذه الرابطة الشعبية نواة لمجلس تعاون إقليمي مناهض لمجلس التعاون الخليجي.
  3. يوجد في المنظومة الامنية الاقليمية لدول بحر العرب ما يسمی  بمنطقة البنادر وهي المنطقة التي تبدأ من بندر عباس في مضيق هرمز وصولا الی بنادر زنجبار في إفريقيا...وكلمة البنادر تعني مناطق التقاء المسافرين عبر البحر والتي ينزلون عندها للاستراحة، وعادة ما تكون مناطق تقاطع حركة السفن والملاحة اي انها بالمصطلح التقليدي هي (مقاهي بحرية) تلتقي فيها حركة السفن من كل الاتجاهات وفيها ينزل التجار لابرام العقود مع الشركات العابرة التي عادة ما يكون لها مكاتب في هذه البنادر. في اطار اتفاقيات التجارة الحرة...ما نقصده من هذا التوصيف لهذه المنطقة هو الإشارة إلى نقطة مهمة وهي: أن مجتمعات هذه البنادر هي نتاج لاستقرار بعض الاقوام في قديم الزمان من مختلف العالم حيث تناسل الفارسي من العربي، والعربي من الهندي، والهندي من الأوروبي، وبالتالي تشكل سكان هذه البنادر من هذا الهجين البشري وعادة ما يكون هذا الهجين المتداخل مهوی التدخلات الخارجية.
  4. من الواضح ان العنصر الفارسي مع العنصر السواحلي يكاد يشكل نسبة مهمة من سكان هذه البنادر وهو ما يعطي لايران التي تجيد النبش العنصري والتاريخي حضور قوي في هذه المنطقة السواحلية الممتدة من هرمز إلى زنجبار في افريقيا.
  5. المعلوم ان سكان البنادر في منطقة بحر العرب يختلفون عن سكان ساحل البحر الاحمر الذين ينتمون الی قبائل عربية قحطانية راسخة ومستقرة كما هو الحال لقبائل (العفر) الذين يشكلون معظم سكان سواحل البحر الاحمر من باب المندب إلی خليج تاجورة في جيبوتي، وكذا قبائل (حكم) الممتدة من باب المندب وحتی سواحل جيزان...أي أن هذا التباين السكاني بين سكان البحر الأحمر وبحر العرب قد يؤدي الی تناقر المنطقتين وخاصة في ظل التأثير الاستعماري والتدخلات الخارجية في منطقة البنادر.

 

ثانيا: على صعيد منطقة البحر الأحمر

  • الضفة الآسيوية
  1. تراهن إيران على تحويل اليمن بحكم تنامي الحركة الحوثية واتساع تأثيرها إلى أهم منطقة حيوية في الجسم الإمبراطوري الفارسي الذي تعمل إيران حاليا على تخلقه وإنتاجه كنسق اجتماعي فاعل في المنطقة.
  2. تكمن أهمية اليمن بالنسبة لإيران في أنها تمثل خط الالتفاف البحري الممتد من السواحل الإيرانية المتاخمة لبحر عمان حتى خليج السويس وصحراء سيناء، حيث الجبهة الخلفية للصراع الوهمي مع إسرائيل، باعتبارها الجبهة البديلة للصراع مع إسرائيل في حال فقدت إيران الاعتماد على حزب الله في جنوب لبنان...وفي ظل هذا الوضع تصبح حركة الحوثي كطليعة مسلحة ومدربة في اليمن هي البنية التحتية العسكرية الأمنية التي بإمكانها أن تمد هذه الجبهة بالعدة والعتاد  والبشر عبر البحر لاسيما والحركة الحوثية لا تقل أهمية وفاعلية عن حزب الله في لبنان.
  3. تعمل إيران على جعل الحركة الحوثية في اليمن همزة وصل للحوزات الدينية الإيرانية واللبنانية مع شرق إفريقيا مستفيدةَ من الموقع الاستراتيجي لليمن كبوابة عبور بحرية نحو إفريقيا وبوابة عبور برية نحو منطقة شبه الجزيرة العربية.

4-هناك ترتيبات إيرانية لجعل الحركة الحوثية في اليمن كأهم حوزة دينية وحضارية في المنطقة على النحو الذي يجعلها مصدر تأثير إسلامي وحضاري للمنطقة الإقليمية وبالتالي ستتحول منطقة صعدة من وجهة النظر الإيرانية إلى مركز رمزي للحوار بين المذاهب في منطقة شبه الجزيرة العربية إضافة إلى مركز حوار بين الأديان في منطقة شرق إفريقيا، من خلال توثيق التعاون الإيراني مع المركز الكنسي القبطي في الحبشة ومصر.

 

5- تسعى إيران في الوقت الحالي إلى الاستفادة من الموقع الجغرافي لمحافظة صعدة باعتباره يقع في المؤخرة الجنوبية للنسق الجغرافي لسلالة أشراف الحجاز من أهل السنة، والذي يمتد من مثلث صعدة، الجوف، مأرب حيث العلويين الحوثيين، إلى الأردن شمالاً حيث الأشراف الهاشميين...وفي الوقت الحالي تفيد المعلومات بأن هناك جماعات مختصة بالأنساب بدأت تعمل على هذا الملف من خلال جمع المعلومات التاريخية والاجتماعية وصوغ المشجرات بما يؤدي إلى ادماج الحركة الحوثية كمذهب شيعي جارودي ضمن النسق السلالي لأشراف الحجاز من أهل السنة.

 

6- تضخ إيران المبالغ المالية الكبيرة عبر الحوزات الدينية الإيرانية لشراء مساحات شاسعة من الأراضي الواقعة على المنافذ البحرية المطلة على الساحل اليمني، ومن ثم أخذ عقود البيع إلى إيران لتوثيقها في ملكية المراكز الشيعية ضمن ما يسمى بالوقف الشيعي في المنطقة...هذا فضلاً عن شراء الأراضي والمنافذ البحرية خصوصاً في باب المندب وجزيرة ميون وجزيرة حنيش وساحل الحديدة – جيزان عبر المستثمرين الإيرانيين واليمنيين باسم المشاريع الزراعية والسكنية والسياحية ومناطق الغوص والحمامات وغير ذلك من المشاريع الاستثمارية...وفي هذا الصدد هناك معلومات غير معلنة تؤكد أن خارطة شراء الأراضي يشمل أيضاً أرخبيل الفرسان من أراضي (المملكة)، لاسيما جزر الأرخبيل المطلة على باب المندب وأيضاً الجزر السعودية القريبة من ميناء ميدي في الجنوب.

ب-الضفة الإفريقية

في الآونة الأخيرة تمكنت إيران من اختراق العديد من مجتمعات منطقة البحر الأحمر من خلال استخدام المؤثرات المذهبية والسلالية في هذه المجتمعات الفقيرة التي تنتشر فيها الخرافة والتبرك بالقبور؛ وهو ما شجع الإيرانيين في الدفع بالمزيد من الرحلات الدينية إلى هذه المناطق إلى جانب الهجرات (اللبنانية الشيعية المستقرة في هذه المنطقة استقراراً مؤقتاً أو دائماً)...أبرز هذه الاختراقات ما يلي:-

  1. تعمل إيران على ترويض «النجاشيين» في منطقة «النجاشي» في إقليم «التجراي» في شمال إثيوبيا باعتبار هذه المنطقة استقبلت أول عملية طرد لآل البيت لمجموعة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من قبل المجتمع القرشي، وبالتالي يعتبر سكان هذه المنطقة في نظر الإيرانيين هم من أشراف آل البيت رغم أن هذه المنطقة تقع في نطاق مملكة «أكسوم» التاريخية وهي مملكة لشعب قحطاني أصيل كامتداد طبيعي لمملكة «سبأ» في «مأرب» اليمنية...الملاحظ في هذا الوضع أن الرحالة الإيرانيين واللبنانيين الذين يفدون إلى هذه المنطقة عادة ما يستخدمون مصطلح (طرد) لمجموعة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وليس (هجرة) بما يوحي بالمظلومية التاريخية، وأيضاً تحميل المملكة العربية السعودية مسؤولية هذه المظلومية باعتبارها وارثة السيادة عن المجتمع القرشي تاريخياً وبالتالي فهي ملزمة بالتعويض والاعتذار لإيران كدولة مدافعة عن الحقوق التاريخية لآل البيت، على غرار المسؤولية التاريخية للعثمانيين تجاه الأرمن.
  2. تسعى إيران إلى طمس التراث الديني السني العثماني في أثيوبيا وخاصة وأن لتركيا إرث ديني وتاريخي لايزال له حضوره الفاعل، لاسيما وأن شعب «هرر» المسلم أحد الشعوب الأثيوبية الذي يعتبر من أهم أصول القومية التركية المتجذرة في هذه المنطقة.
  3.  استغلت إيران حالة اضطرابات الربيع العربي في كل من مصر واليمن؛ وبالتالي أجرت جملة من المسوحات الاستخباراتية في منطقة ضفتي البحر الأحمر، ونشرت العديد من الخلايا الأمنية في مجتمعات هذه المنطقة، وفتحت اعتمادات مالية لإعادة تشغيل بعض الخلايا المتوقفة عن النشاط والتي كانت تمول من الرئيس القذافي سابقاً.
  4. جندت إيران العديد من الصيادين اليمنيين والإريتريين للعمل في مهام أمنية استخباراتية، ومنحت الذين يعملون في منطقة الاصطياد الممتدة من باب المندب وحتى مدخل قناة السويس زوارق اصطياد حديثة.
  5. كما أن السفن الإيرانية تستطيع أن تجوب بحر العرب بحرية كاملة حتى تصل إلى خليج عدن بحكم عضويتها في النظام الأمني لمنطقة بحر العرب، إلا أنها لا تستطيع الولوج إلى البحر الأحمر كونها لا تنتمي إلى هذا النظام...ولتجاوز هذا الحظر سعت إيران إلى تشبيك علاقتها بإريتريا واستأجرت بعض القطاعات الساحلية في جزيرة دهلك حتى تتمكن من إختراق النظام الأمني للبحر الأحمر عبر هذا الوجود الحيوي لها في أرخبيل دهلك الإريتري إلا أن التحالف العربي تمكن مؤخراً من استيعاب النظام الأريتيري وموقع أرتيريا الجغرافي الهام ضمن الأداءات الاستراتيجية العسكرية للتحالف العربي، وهو ما أفقد إيران أهم حليف في جنوب البحر الأحمر.

 

 

ثالثا: ما بين الضفتين الآسيوية والإفريقية (باب المندب)

تسعى إيران إلى استغلال قضية الوجود الإسرائيلي في منطقة البحر الأحمر، واستثماره على النحو الذي يساعدها في تقديم نفسها كطليعة إسلامية مقاومة لهذا الوجود من خلال الإعلام والنشر والتهريج عبر وسائلها الإعلامية التي تهدد وتنذر وتعلن عن قرب المواجهة مع إسرائيل على النحو الذي يؤدي إلى حالة من التصادم الأمني بين نظام بحر العرب بقيادة إيران والبحر الأحمر بقيادة إسرائيل وبالتالي إحياء الصراع التاريخي الروماني، الفارسي  في هذه المنطقة.

 

هدف إيران من استثمار هذا الوجود الإسرائيلي على هذا النحو هو فرض حضورها الاستراتيجي العسكري والأمني في هذه المنطقة....أي أن إيران تستخدم شماعة الوجود الإسرائيلي في هذه المنطقة لشن حربها على الدول العربية المطلة على البحر الأحمر بذريعة أنها دول حليفة لإسرائيل، وفي المقدمة المملكة العربية السعودية  أكبر دول البحر الأحمر مكانة وتأثيراً...هذا يعني أن إيران في حقيقة أمرها غير جادة في خوض حرب مباشرة ورسمية باسم الدولة الإيرانية ضد إسرائيل، وإنما تستخدم شماعة الوجود الإسرائيلي في هذه المنطقة كذريعة لشن الحرب على الدول العربية وإخراجها  من المعادلة الأمنية للبحر الأحمر باسم الحرب ضد إسرائيل، ومن ثم تقديم نفسها وركائزها وأدواتها للرأي العربي والإسلامي كعدو حقيقي لإسرائيل، وهو ما يعني التعريض السلبي بهذه الدول وتلطيخ سمعتها أمام شعوبها فضلا عن التحريض عليها باعتبارها دول حليفة لإسرائيل في هذه المنطقة.

هذا الاستغلال الإيراني البشع للوجود الإسرائيلي في هذه المنطقة يعتمد في حقيقة الأمر على الصراخ الإسرائيلي المستمر، في حال تمكنت إيران ممن تعزيز حضورها الأمني في البحر الأحمر، وباب المندب، وساحل عصب، وبالتالي استخدام المنافذ البحرية في هذه المنطقة لتهريب السلاح إلى المقاومة الفلسطينية في غزة.

 

هذا الصراخ الإسرائيلي من النفوذ الإيراني في المنطقة، تتخذ منه إيران عاملا مساندا لما تروج له إيران ضد السعودية وبقية الدول العربية المطلة على البحر الأحمر باعتبارها الدول الحليفة لإسرائيل من وجهة النظر الإيرانية، والحقيقة في الأمر هي غير ما تقوله إيران وتهدد به من احتمالات قرب المواجهة مع إسرائيل، وغير ما تتجاوب معه إسرائيل وتصرخ منه من احتمالات حدوث التهديد الإيراني لها، لأن تحركات الدولتين(إيران وإسرائيل) في المنطقة بإيقاعاتهما المتناغمة لا تشكل في حقيقة الأمر سوى تحدياً مباشراً لمصالح الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، فإيران تستخدم لغة المواجهة مع إسرائيل بهدف تعزيز تواجدها في بعض الممرات البحرية والبرية في البحر الأحمر، وباب المندب، والقرن الأفريقي، وغيرها من المنافذ القريبة من مناطق الأزمات لاسيما منطقة الصراع (الإسرائيلي -العربي).

وإسرائيل -من جهتها-تستثمر مخاوفها المبالغ فيها من التهديد الإيراني لمخادعة العالم سعياً منها للانفراد بترتيب الأوضاع في منطقة البحر الأحمر وحوض النيل والقرن الأفريقي بمعزل عن دول البحر الأحمر.

الدول العربية المطلة على البحر الأحمر وفي المقدمة (المملكة) من حقها أن تقلق جداً من استخدام إيران لتواجدها بالقرب من مناطق الأزمات للدخول في صراع وهمي (وليس مواجهة حقيقة) مع إسرائيل، على النحو الذي يوفر لها أي (إيران) ورقة ابتزاز تستطيع استخدامها للضغط في اتجاه ضمان نفوذها في المنطقة بالقدر الذي يتلاءم مع مركزها الإقليمي الجديد.

بتعبير أوضح: إن قلق دول البحر الأحمر في الأساس هو في أن تتحول هذه المنطقة إلى ساحة صراع وهمي بين إيران وإسرائيل ومعها الغرب باعتباره الصراع الذي يسبق التسوية بينهما واقتسام النفوذ على حساب المصالح العربية الاستراتيجية.

الأمر الأهم الذي يقلق دول البحر الأحمر هو الخوف من أن تخوض إيران هذا الصراع بأدوات غير أدوات الدولة الإيرانية الرسمية، فرغم أن الوجود الإيراني في هذه المنطقة واضح ويخدم السياسة الإيرانية الخارجية رسمياً؛ إلا أن الصراع القادم الذي تلوح به إيران في هذه المنطقة لن يتم باسم هذا الوجود الإيراني رسمياً...أي أن إيران ترتب لتفجير هذا الصراع بأدوات غير أدوات الدولة الإيرانية الرسمية...أي أنها أدوات عادة إما (مذهبية_ صراعات أثنية_ تمييز سلالي_ تشبيكات اجتماعية_ ادعاءات تاريخية_  حروب دينية_ ادعاء نبوات_ تجهيل ديني...وغير ذلك من الأدوات بما في ذلك التشبيكات الاستخباراتية والتنسيقات الأمنية مع عصابات المافبا وكارتيلا المخدرات وغير ذلك من الأدوات غير الرسمية، ناهيك عن أن بعض هذه الأدوات غير مرئية وبعضها الأخر غير إيرانية، وهذا الأمر واحد من بواعث قلق الدول العربية والإسلامية إذ أنه يصعّب عليها التعامل مع هذا الصراع  بالأدوات الرسمية للدول العربية ...أما الهدف الإيراني النهائي من خوض هذه الحرب الوهمية مع إسرائيل هو السيطرة على الخط البحري الممتد من ساحل عمان المتاخم للمياه الإيرانية حتى خليج السويس المتاخم لصحراء سيناء المصرية القريبة من غزة، وهو الخط الذي يمر بالمياه اليمنية في بحر العرب، وخليج عدن، وباب المندب، ومن ثم الدخول إلى البحر الأحمر وصولاً إلى خليج السويس وسيناء وغزة...أي أن هذا الخط البحري بلغة الحروب هو خط التفاف يستخدمه المحارب الإيراني انطلاقاً من اليمن عبر باب المندب والبحر الأحمر وصولاً إلى سيناء حيث الجبهة الخلفية للصراع مع إسرائيل باعتبار هذه المنطقة تمثل لإيران ساحة صراع بديلة مع إسرائيل، يمكن لإيران فتحها في حال فقدت السيطرة على سوريا ولبنان وأدواتها الوهمية في حزب الله وذلك قبل الوصول إلى التسوية النهائية التي بموجبها تضمن إيران نفوذها الإمبراطوري المعتبر في المنطقة.

 

 

 

الخلاصة:

خلاصة ما يمكن قوله في ختام هذه الرؤية التحليلية أن التغول الإيراني في منطقتي البحر الأحمر وبحر العرب هو مشكلة عويصة ولابد من مواجهتها ضمن مسار استراتيجي واضح ومتكامل...عسكري، أمني، اجتماعي، إعلامي، وغير ذلك من الإجراءات التي تتناسب مع حجم المشكلة.

 

قبل التوجه إلى حل المشكلة لابد أولاً من العلم والإحاطة بها ...ولا أقصد هنا العلم والإحاطة بالمشكلة بشكلها الظاهري، لأن المشكلة في وضعها الظاهري والمجمل معلوم لدى الجميع ولكن المطلوب العلم بتفاصيل المشكلة وجزئياتها وتربيطاتها وحاضناتها الاجتماعية وما خفي منها إذ أن التهديد عادة ما يأتي من الأمر الخفي أما ما ظهر فيمكن مواجهته رسميا وإجرائيا.

 

على هذا الأساس أقول: بأن أدوات الصراع الإيرانية غير الرسمية وغير المرئية في منطقة النظامين الأمنيين للبحر الأحمر وبحر العرب بحاجة إلى فهم...بحاجة إلى كشف...بحاجة إلى تحليل...بحاجة إلى رصد...بحاجة إلى العيش بالقرب منها ومن مؤثراتها... والأهم من ذلك هي بحاجة إلى رؤى ومشاريع ومقترحات لمواجهتها من خلال واقع إجرائي وميداني من الرصد والاستقراء وجمع المعلومات لعناصر المشكلة بأبعادها الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والتشبيكات الحاضنة لها والمصالح التي تنطلق من خلالها تمهيداً لمواجهة شاملة متعددة الأوجه والمسارات... انتهى

 

 

 

 

* عبده سالم

- كاتب ومحلل سياسي يمني.

- خبير استراتيجي مهتم بمنطقة جنوب البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

الأكثر قراءة في آراء واتجاهات

اضغط للمزيد

استفتاء