استقالة الحريري إحدى مفردات الصراع الإقليمي مع إيران

أعتقد أن موضوع استقالة الحريري قد أخذ نصيباً كافياً من الأخذ والرد، ومن التعليقات والآراء، لكن لا يمنع هذا من عرض بعض الاستنتاجات والاستخلاصات من مجمل ما قد قيل في هذا الشأن.

 

لتحليل هذا الوضع أكثر علينا أن نترك الآن موضوع لبنان واستقالة الحريري والتدخلات الإيرانية في لبنان ومن ثم نتوجه فوراً لتحليل الموضوع من البوابة السورية، لأن ما أدى إلى استقالة الحريري وما يحدث في لبنان عموماً ما هو إلا اجترار من الوضع السوري وإفرازاته.

 

نحن نعلم أن الوضع في سوريا استقر في مصلحة محور النظام السوري وإيران وحزب الله وروسيا، وخسارة دول المحور الآخر المناهض لهذا المحور.

 

المستجد في هذا الوضع أن روسيا الآن لديها هواجس من إيران وحزب الله، حيث باتت تشعر بتغول من قبل إيران وحزب الله عليها في سوريا، إلى الحد الذي بات يؤثر على تواجدها وحجم نفوذها.

 

التقت هذه الهواجس الروسية برغبة أمريكية وإسرائيلية جامحة بضرورة تقليص دور إيران وحزب الله في المنطقة، إضافة إلى رغبة الدول العربية المناهضة لإيران بضرورة تسوية الوضع في سوريا على النحو الذي يؤدي إلى تقليص نفوذ إيران ويلغي دور حزب الله في سوريا.

 

ما يحدث الآن من تحريك للورقة اللبنانية وآخرها استقالة الحريري ما هو إلا محاولة لحل الهواجس الروسية، وتنفيذ الرغبات الأمريكية الإسرائيلية، وتحقيق التطلعات العربية المناهضة لإيران.

 

لتنفيذ هذه الرغبات الثلاث تجري الآن عملية رسم سيناريو في المنطقة يؤدي إلى:
أولاً: فك الإرتباط بين موازين القوى الإيرانية والروسية في سوريا لمصلحة روسيا، وثانياً: فك الإرتباط بين موازين القوى الإيرانية وحزب الله لمصلحة الدول العربية المناهضة لإيران، وثالثاً: إيجاد دور لأمريكا لرسم خارطة مستقبل السلام في المنطقة.

 

حلقة تفكيك هذه الإرتباطات هو حزب الله، ومسرح التفكيك هو الساحة اللبنانية.

إذاً لابد من تسخين الوضع في لبنان إلى حد اندلاع المواجهة الإسرائيلية في جنوب لبنان، وهو ما سيؤدي بحزب الله إلى سحب قواته من سوريا إلى الجنوب اللبناني للمواجهة مع اسرائيل وهناك يترك الأمر لإسرائيل لاستكمال المهمة.

 

إيران بالتأكيد لا تستطيع أن تتدخل في لبنان لإنقاذ حزب الله، لأنه ليس لها وضع يسمح لها بالتدخل في لبنان كما هو الحال في سوريا، وهنا يتحقق هدف فك الإرتباط بين مركزي القوة لكل من إيران وحزب الله ...

 

في سوريا سيتيح هذا السيناريو لروسيا بعد خروج حزب الله من تقليص التغول الإيراني في سوريا على حسابها، وأيضاً سيتيح لأمريكا القيام بعملية تفكيك القاعدة العسكرية الإيرانية في جنوب سوريا على مقربة من الحدود الإسرائيلية، وبالتالي تعزيز الوضع في سوريا لصالح التفاهمات المشتركة الروسية – الأمريكية وهذا ما أكده البيان الروسي – الأمريكي المشترك على هامش قمة (آيباك) في فيتنام.

 

هذا الحال برمته سيفتح المجال لتنفيذ خطة التسوية في سوريا برعاية الأمم المتحدة على نحو متلازم بتطبيع الأوضاع الأمنية مع اسرائيل ومن ثم الدخول في عملية الحلقة الاخيرة للسلام مع اسرائيل في الجولان ...وهي بداية لتسوية الصراع الإسرائيلي العربي في مشهده الأخير.

 

سبق هذا الأمر تحقيق مصالحة بين حماس وفتح، وإيقاف حركة الإنفصال الكردي، وكذا خفض منسوب التصعيد العسكري في الجنوب السوري وهي المنطقة السورية المتاخمة لإسرائيل في الجولان...أي أن كل هذه الاجراءات هي من أجل تأمين هذا المسار.

 

يبقى التساؤل المهم: هل بالإمكان تفكيك هذه الإرتباطات في موازين القوى بهذه السهولة...؟ وهل ميزان القوة لحزب الله في لبنان يسهل استهدافه بمجرد عملية عسكرية خاطفة في الجنوب اللبناني، لاسيما وأن إسرائيل لها تجربة سابقة في هذا الشأن...؟

 

والسؤال الآخر الذي لا يقل أهمية عن سابقه هو: ما هي قدرة الدول العربية المناهضة لإيران في تحقيق اختراقات مهمة في هذا المسار ضد إيران ولمصلحة القضية العربية والإسلامية...؟  ما مدى قدرة هذه الدول في التوفيق بين الإنخراط في الجهد الدولي لتقليص الدور الايراني في المنطقة وعدم الوقوع في الفخ الإسرائيلي ...؟  على أقل التقديرات كيف تستطيع هذه الدول الظهور بمعزل عن الإنخراط مع إسرائيل أثناء المواجهة مع إيران، لاسيما وإيران من خلال ماكينتها الإعلامية في المنطقة ستظهر هذا الإنخراط وستصور هذا الحال وكأن المشروع العربي عموماً ما هو إلا مسخ صهيوني مكرر، وأن إيران وحدها هي الذائدة عن حياض الإسلام والمقدسات.

 

  * المقال خاص بالمصدر أونلاين

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء