قحطان.. مدرسة السياسة والسلام

محمد قحطان.. هذا الاسم العصي على النسيان، مهما حاول الحوثيون والسياسيون جميعا وضعه في خانة نسيان ظالمة.


منذ عامين وثمانية أشهر يخفي الحوثيون أكثر شخصية جلست معهم في طاولة الحوار والمشاورات والاتفاقات والخلافات، بينما يتربع الصماد على عرش صنعاء وماجاورها بعد أن كان يجلس أمامه في كراسي الحوارات.


يستحق قحطان التحدث عن جزئيات من منهاجه السياسي الذي عرفته سواء في حوار صحفي أو في تواصل بين حين وآخر، ودقة التعريفات للوضع السابق وراهن ماقبل مرحلة الغزو الحوثي للمدن.


في العام 2010 أجريت معه حوارا صحفيا لموقع (إيلاف) اللندني بعد عقدين من تجربة الإصلاح السياسية العلنية، وكان حينها متوقفاً عن الحديث للصحافة منذ أكثر من عامين، وأقنعه العزيز راجح بادي بعد ملاحقات طويلة.
تحدث يومها عن مرحلة مابعد 1997 والتي وصف فيها حالة الإصلاح بأنه "خرج من السلطة ولم يدخل المعارضة"، كون الحزب ارتأى تجنب الانعطافات الحادة ف "الانتقال إلى المعارضة بحاجة لتكبير مسافة الانعطاف".


يرى قحطان أن "المؤتمر الشعبي" لديه طبيعة نافية للشريك، لا يستطيع تحمل الشريك، لم يستطع تحمل الحزب الاشتراكي لأشهر قليلة، منذ اتفاق الوحدة ولم يشعر بوئام مع "الاشتراكي" حتى لشهرين أو ثلاثة أشهر ثم مع الإصلاح.
سألته حينها عن أين مكامن الإخفاق لدى حزبه ولم يتحرج في أن يتحدث عن الإخفاق في "أن ننجز هدفنا النضالي في تحقيق الإصلاح السياسي والوطني، لم نستطع أن نجبر السلطة على عمل إصلاحات حقيقية وجادة فهذا شكل من أشكال الإخفاق".


في سياق أي نقاشات سياسية، يأتي حزب الإصلاح في سياق أي حديث كأحد الأطرف المساهمة في حرب 1994 بينما كان يعتبرها قحطان ضرورة وطنية للحفاظ عل مكسب من مكاسب الشعب، بينما ما حصل بعدها هي المشكلة حيث قال إن الحزب لم يستطع فعل شيء مع المؤتمر لتجاوز آثار الحرب والتشطير، "وعمليا أريد لنا أن نكون موظفين، ولذلك خرجنا من الائتلاف" فتلك "السلطة يمكن أن تتقبلك شريكاً في محاربة عدوها على طريقة النكف القبلي، لكن شريك في عملية بنائية مشتركة بمعنى الشراكة الوطنية والسياسية فهذا ما لا يطيقونه".


عقلية محمد قحطان السلمية جعلته يجزم في ذلك الحوار أن النضال غير السلمي لايمكن أن يحدث في بيئة مثل اليمن، على الأقل على مدى ثلاثة عقود، وخاب ذلك التوقع، فلم يمر عام حتى تفجرت البلد سلمياً ولم يشأ لها المؤتمر الشعبي أن تظل كذلك.
قبل خروج الشباب إلى الساحات في 2011 كان قحطان مايزال يتحدث عن أن الأمل بالقيام بتحقيق إصلاحات عبر الحوار وإقناع السلطة لكن حركة (قلع العداد) ربما كانت الخاتمة في البرلمان الذي صوت حينها للذهاب منفردا إلى انتخابات بعد 4 أشهر مع تصفير عداد صالح، وهنا كانت الخاتمة.


يرى محمد قحطان أن مشكلة صعدة -حينها- كانت المولود الشرعي لفكرة التوريث داخل سلطة علي عبدالله صالح، وأنه لولا هذه الفكرة لما تجرأ أحد بعد الثورة والجمهورية أن يطل برأسه فيما يمكن أن يفهم أنه عودة للنظام الإمامي..
يقول: "أنت فتحت باب التوريث وأنت في نظام جمهوري وهذا يقودنا إلى الحديث عن الرابطة الفكرية والمعنوية التي تربط بين الحاكم والمحكوم.. وتشكل أحد أهم أسس الشرعية، هذه الرابطة إذا هدت تهد الدول، فأنا في نظام جمهوري، وهذا أحد أعمدة هذه الرابطة".


صدَق تنبؤ قحطان فيما يتعلق بالتوريث حين وصفه في ذلك الحوار بأن "الحديث عن التوريث في نظام جمهوري كالحديث عن خلق القرآن أيام الدولة العباسية، حين كان الفقهاء والأئمة يحذرون من طرح فكرة القرآن مخلوق أو غير مخلوق، وبمجرد ما طرح هذا الأمر للنقاش خلال 30 عاماً، وإذا بالحركات الباطنية تكاد تسيطر على العالم العربي، لأن المقدس تم ضربه في مقتل، فأقام الإمام الهادي مثلاً دولة الهادوية في اليمن بدلاً عن الدولة العباسية في 280 هجرية، لم يمر إلا فترة بسيطة إلا والعالم الاسلامي تكتسحه هذه الأفكار". 


كان قحطان يؤكد تصميم حزبه على ضرورة إصلاح السلطة، "وإلا فسيوجد حوثي في كل منطقة وستحدث انشقاقات وانفصالات في عموم اليمن، الحل هو رشد السلطة ورشد الحكم، هذا الذي سيمتص الأزمة.. أما أن تقف على أعراض المرض وتترك المرض فستكون كمن يحرث في البحر". حسب قوله.
لم يقرأ المؤتمر الشعبي حينها هذه الخاتمة، وهانحن نصل إليها مرغمين، وتم عقاب الرجل المتنبئ بهذا البلاء بأن أُخفي في غيابة السجون، لأنه كان يرى الحل السلمي للقضايا هو الأولوية خلال 30 عاما.


يخسر الحوثي وصالح اليوم من اعتقال قحطان أكثر مما يكسبون، ففي مثل هذه الظروف اعتقال شخصية قادرة على خلق الحلول هو إمعان في عدم الرغبة بالحل، فقحطان كان لديه القدرة على أن يحاور ويتشاور ويتخذ قرارات دون انتظار البروتوكولات الحزبية، ولديه نظرة لمآلات الأمور في حال كان الطرف الآخر جاداً فيما يطرح.
بعيداً عن كل ماسبق يبقى قحطان صاحب روح شفافة وبسيطة وساخرة، يستطيع امتصاص الأسئلة والمواقف الصادمة، وأتذكر حين سألته أكاديمية فرنسية في منزله عن شخصية قيادية في الحزب وأنه مهيأ ليتم ترشيحه مستقبلاً لشيء كبير، فرد قائلا: "لا أقول نعم، ولا أقول لا".


يستحق قحطان أن يعامل كبشر، ويستحق من كل الأطراف أن تجد الوسيلة المناسبة لمعرفة مصيره بأي ثمن، فالجريمة المرتكبة بحق رجل من أهم قيادات المشهد السلمي لا تستحق كل هذا الصمت.

وخزة
حين كان يجدني في أروقة مؤتمر الحوار، كان يبتسم قائلا: "ماعد فيش إلا رسائلك تخليني أضحك، أول مايوصلين أتجهز لضحكة".

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

الأكثر قراءة في آراء واتجاهات

اضغط للمزيد

استفتاء