الأيام الأخيرة للمؤتمر الشعبي العام

قال عبد الوهاب الآنسي، أمين عام حزب الإصلاح، لصحيفة نيويورك تايمز إن الإدارة السعودية طلبت منه العمل على إنشاء تحالف مع حزب صالح. ستكون مهمة هذا التحالف هي البحث عن ما يمكن عمله لمواجهة الحوثيين، وفقاً للآنسي. الأخير قال في آخر حديثه للصحيفة "نحن ببساطة نواجه صعوبة بالغة في الوصول إلى قيادات حزب المؤتمر".


عملياً تواجه القوى السياسية صعوبة بالغة في العثور على "حزب المؤتمر" منذ سقوط صنعاء في قبضة الحوثيين، أي منذ ثلاثة أعوام. آنذاك، وفيما بعد، صار المؤتمر الشعبي العام جزءاً من ميليشيات الحوثي. اعترف صالح في حديثين لقناة الميادين بهذه الحقيقة، قائلاً إن الحوثيين هم من يعطون الأوامر، ويديرون المعركة. الزوكا، أمين عام المؤتمر، قال في أغسطس الماضي في سنحان إن المؤتمر زود الحوثيين بعشرات آلاف المقاتلين، وأن الحوثيين استلموا للتو دفعة أخيرة قوامها ثلاثة آلاف مقاتل. كان ذلك المآل الميليشوي هو الصورة التي أصبح عليها حزب المؤتمر الشعبي العام، وبدا من الصعب التعرف عليه كحزب.

نشأ المؤتمر كرابطة مصالح متنكرة في زي حزب شعبي. كان صالح هو القيمة المحورية التي تمسك بكل تلك الكتلة المتناقضة، وكان قادراً على أن يضمن لها مصالحها ولذتها، للأطراف كما للمركز. صار المؤتمر هو المنطقة الخضراء التي وفرت الحياة الجيدة لجمهورية صغيرة لا يزيد سكانها عن مليوني نسمة. بعد "السقوط" برز الحوثي كضامن جديد لمصالح تلك الكتلة، واستطاع تقديم نفسه كبديل ممكن. أذِن صالح لجماعته بالذهاب مع الحوثي في حربه الداخلية، ولم يرجع منهم سوى القليلين. الذين لم يقتلوا في الحروب أصبحوا حوثيين ثقافياً وعسكرياً ونفسياً. أفسح مشهد النهاية الذي سقط فيه صالح فرصة لرؤية ما آل إليه حزب المؤتمر الشعبي العام: جثة هامدة ترقد إلى جوار جثة المؤسس. لقد رأينا جثتين في جثة واحدة، وستدفنان معاً إلى الأبد.

بمقتل صالح تفككت رابطة المصالح التي تحلقت لعشرات السنوات حوله. كان الرجل يضمن مصالحها من خلال تحويل الرابطة إلى "جمهورية"، وتمكين تلك الرابطة من الخير العام بلا هوادة. لم يمتلك حزب المؤتمر أي قيمة مركزية بمقدورها الدفاع عن نفسها أو تشكيل نواة صلبة قادرة على التوالد مستقبلاً. كان صالح هو تلك النواة، وبمجرد أن غدا جثة فقد تفككت كل المدارات الخارجية وانهار البناء. لا توجد قوة، مهما بلغ إصرارها، قادرة على استعادة المؤتمر أو بث الحياة في رفاته. كانت "الكتلة العفاشية" تعج بالتناقضات المستعصية. ولزمن طويل كان لدى صالح من "الخير" ما يكفي للأم شقوق جماعته، والاحتفاظ بها قريبة منه. فقد استطاع تحويل طريق كل الأنهار لتصب في آخر المطاف في وادي جماعته، تاركة باقي الأرض قاحلة. ها هي الأنهار، أو ما بقي منها، تذهب الآن بعيداً.

اعتقد الآنسي أنه يواجه صعوبة بالغة في الوصول إلى قيادات حزب المؤتمر. في الواقع سيصعب التعرف على الحزب مستقبلاً، ولن يمضي وقت طويل حتى تتشكل قناعة عامة تقول إنه من فائدة ترتجى من البحث عنه. لقد تلاشى حزب المؤتمر على طريقة "الحزب الوطني الديموقراطي" في مصر. حصل الأخير على ٩٥٪ من مقاعد البرلمان في انتخابات ٢٠١٠، لكنه صار شيئاً من الماضي مع نهاية العام ٢٠١١. حتى إن الرئيس المصري الحالي لم يعد يفكر في استعادة ذلك الحزب، أعني كمنظومة ذات طبيعة سياسية. تشابهت المقدمات التي أفضت إلى تأسيس "الحزب الوطني" في مصر و"المؤتمر الشعبي" في اليمن، وستتشابه المآلات.

بخلاف التنظيمات الإيديولوجية فإن الأحزاب التي تنشأ على هيئة رابطة مصالح، أو طبقة بورجوازية بالتعريف الماركسي، سرعان ما تتلاشى بعد موت المؤسس. الدراسة التي أجرتها الباحثة الأميركية "غوردون" على نحو ٣٣ تنظيماً إيديولوجياً توصلت إلى أن ٨٠٪ من من تلك التنظيمات لم تتأثر بمقتل قادتها. تنطبق هذه المشاهدة على التنظيمات ذات الطبيعة الإيديولوجية بمختلف تنويعاتها، الدينية وغير الدينية. فبرغم الضربة القاتلة التي وجهها صالح إلى التنظيم الناصري في اليمن، مطلع الثمانينات، إلا أن التنظيم بقي حياً وفاعلاً في الحياة الثقافية والسياسية في اليمن حتى الساعة.


في الأيام القليلة الماضية شوهد خمسة ورثة يتحدثون عن تركة القتيل. كان بن دغر، رئيس الوزراء، هو الأسرع. الحوثيون، أيضاً، احتجزوا ورثة في صنعاء وهم يجهزونهم حالياً لاستلام نسخة معدلة من حزب صالح، نسخة تؤدي الصرخة وتفعل كل ما يطلبه السيد. في الأعوام الثلاثة الماضية أسس الحوثيون في صنعاء تشكيلاً فراغياً أسموه "تكتل أحزاب اللقاء المشترك". تعلموا تلك الحيلة من صالح: تفكيك التنظيمات والمؤسسات واستنساخها فراغياً. شوهد الوريث الثالث في القاهرة من خلال ظهور خطابي لمجموعة ملفقة من الشخصيات الطريدة التي لم تعد قادرة حتى على تدبر لقمة عيشها. نشأ المؤتمر، في الأساس، كشجرة قادرة على أن تمنح متسلقيها الفاكهة في كل وقت. كان ذلك شرط بقائها الوحيد، بقاء الشجرة وولاء متسلقيها، لا قيمة مركزية ولا حكاية شامة. لآن: لا فاكهة، ولن يكون هناك متسلقون.

قبل أيام، أيضاً، أطلق الأمين العام المساعد للحزب، العواضي، نداءً باهتاً من مخبئه يطالب أعضاء حزبه بمنح صديقه "أبو راس" الولاء بوصفه وريثاً وحيداً لمؤسس الحزب. لا يبدو أن دعوة الرجل قد بلغت أي مكان، فقد كان الناس يلتحقون بالمؤتمر الشعبي العام عندما كان حوضاً للسلطة وكان قادراً على تدبر احتياجاتهم. ففي بلد مزقته الحروب يأتي في آخر تفكير الناس أن يذهبوا خلف رجل مختبئ في قبو.


أما الوريث الخامس لتركة صالح فقد ظهر على إثر دخول الحوثيين صنعاء. إذ التحق قطاع واسع من الحزب/ رابطة المصالح بالمقاومة والجيش وبالسلطة الشرعية، وخاضوا حرباً ضارية ضد ما اعتقدوا قبلاً أنهم حزبهم الأم.

يتلاشى المؤتمر الآن كمنظومة وسيبقى لبعض الوقت على هيئة سرادق عزاء معطياً انطباعاً خاطئاً بأن الحزب لا تزال به بعض الحياة. فما يراه الآنسي الآن صعوبة عملية في الوصول إلى قيادات الحزب يعني أن المؤتمر صار، كحزب، شيئاً من الماضي، ولم يعد ممكناً العثور عليه بالطريقة التي عُرف بها في السابق.

إن أي انتقال سياسي يفضي إلى توزيع السلطات أفقياً ونشوء حكم رشيد سيعجل بفناء ما بقي من المؤتمر الشعبي العام. لنتذكر أن تلك الرابطة حازت على النفوذ والثروة، أي الوجود الفاعل، من خلال ودورانها حول السلطة وبالقرب منها. ما هو مثير، أكثر من أي شيء آخر، هو أن الحوثيين لم يضعوا حداً لحياة صالح ومغامراته وحسب، بل استحوذوا على حزبه وأمواله، وأخربوا ذريته.

لم يترك صالح إلهاماً من أي نوع. عندما ينظر المرء إلى ضريح الرجل فلن يكون بمقدوره سوى قول شيء واحد عن حياته: قتلته اللعبة التي خنق بها كثيرين. كان صالح، وكذلك المؤتمر، غارقاً في ذاته ومنذوراً لها. مع موت صالح مات المؤتمر وماتت الذاتوية اللصوصية بكل تاريخها المدجج بكل ما هو غير وطني وغير أخلاقي. يمكن للمرء الآن البكاء على صالح لبعض الوقت، لكنه سيكون في كل الأحوال بكاءً فارغاً لا يؤدي إلى شيء ولا يقدر على تغيير الحقيقة التاريخية. ها نحن نقف أمام مشكلة غاية في التعقيد: فلم يكن الماضي هو جريمة صالح الوحيدة، بل المستقبل. وفي كل مرة تتعقد فيها ظروف المواجهة مع الجماعة الحوثية سيتذكر المرء، بقليل من العناء، الحقيقة التي تقول إن الحوثيين ليسو سوى واحدة من خطايا صالح. هذه الحقيقة فوق التاريخية ستنهال على ما بقي من المؤتمر ملحقة به مزيداً من سوء السمعة، ودافعة إياه إلى التلاشي.

* نقلاً عن مدونات الجزيرة



شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك