العنكبوت يلهم العالم

في أواخر حياته، اشتكى امبرتو إيكو من الفيس بوك وتويتر، من العوالم الافتراضية التي تتيح القدر ذاته في الظهور للحائزين على جائزة نوبل والهواة.


كانت هذه المساواة ظالمة، بالنسبة لأديب ألهمه همه أن يسقي أحد الكهنة نقيع السم، ليكتب روايته ذائعة الصيت "اسم الوردة". 


مات إيكو، ولست متأكدًا من ذلك، ما أنا متأكد منه بأنه كان يخمن أن شخصًا اسمه علي البخيتي ستجتاز جماهيريته المليون متابع على تويتر، بينما لا يعرف غالبية مرتادي هذا العالم من يكون عبدالباري طاهر، وما إذا كان هذا المفكر اليمني يغرد أم لا؟


عشت لسنوات في تويتر، قمت بربط صفحتي بالموقع الإخباري الذي كنت أعمل فيه ليتم نشر الأخبار بشكل تلقائي، لعل وعسى يزداد المتابعين.

 

يدخل الإنسان كما لو أنه تائه في صحراء الربع الخالي، الأنفاس قصيرة لا تجتاز السطر الواحد، كنا ننشر الروابط المختصرة، بعد ثلاث سنوات تقريبًا وصل عدد المتابعين إلى ألف وسبعة عشر، هجرناه ونسينا كلمة السر، الرقم المهول لجماهيرية البخيتي جعلتني أتخيل أن متابعي صفحتي قد وصلوا إلى مائة ألف، دلفت إلى هناك وأنا أرتعد من عملية غزو العالم بالأصبع السبابة وأنا في القرية، غير أني لم أجد صفحتي. كل كلمات السر لم يقبلها تويتر، وكأن البرد قد أكلها وكأنها اختفت بين أكثبة الرمل الصحراوي.


كنت سألف باحثًا حول عبدالعزيز المقالح، قبل أن أقرأ ما كتبه محمود ياسين، بأنه لا مشكلة من أن يتعدى البخيتي جماهيرية محمود في تويتر، لكن المشكلة أن ابنته توجان قد اجتازته هي الأخرى.


البخيتي يجتاز المليون متابع كما قالوا، وهو الغامض الذي لا يعرف أحد عمله ولا بأي صفة يلتقي السفراء ويجلس في بيروت أو الأردن، مع الحوثي وضده، مع الشرعية وضدها، مع التحالف وضده، يقابل الجميع ويلتقط صور السيلفي مع الحرضة الخزفية وبداخلها السلتة، من حقه أن يعمل مثل العنكبوت، يشابك خيوطه بين الخشب والحجر والحديد والبلاستيك، أن يغرد ويلهم العالم، وليس من حق الإنسان السوي أن يشتري عالمًا من الوهم يجتاز به الكاتب الذي يجهد ذهنه حتى الشرود وهو يعصف فكرة ما.

 

مؤخرًا ظهر البخيتي في مقابلة تلفزيونية، قال بأن النخب تسعى إليه لامتلاكه مدونة ينشر فيها مقالاته التي تستنبئ الأحداث بحكم دنوه كل حين من طرف!.


لو أنها مدونة إيكو لما كان لها هذه القوة، الاهتمام بالشعبية سيظهر عند إيكو، بحكم أن "الكاتب يبحث دائمًا عن قراء ويكذب من يقول غير ذلك". 


كان إيكو يعرف أن العالم الافتراضي الذي منح الجميع المساواة، سيخلق مستثمرين يعملون على صناعة الجماهير الزائفة ويبيعونها لمحبي الأضواء، يصير لك كمًا هائلًا من الأصدقاء والمتابعين، رقمًا كبيرًا يشعرك بضخامة أَنَاك المنتفخة، غير أنه جامد بلا دم، بلا ملامح، ولا تفاعلية، حسابات من الوهم لخديعة الآخرين بحجم تأثيرك، تخدع نفسك في نهاية المطاف، فالخيوط الواهنة تتمزق بسرعة، لا تبني شعبية ولا تصد قطرة ماء.
نعم الكاتب يبحث عن القارئ لكنه لا يشتريه.


اتصل بي صاحبي عنتر، هو في المدينة وأنا في القرية وبيننا خط الحصار المسلح، أخبرني أنه كتب قصيدة عاطفية بالعامية لأن هاتف حبيبته لا يرد، قال إنه نشرها في الفيس بوك وكان يظن أنها ستجلب مئات الاعجابات، غير أنها حصلت على أربعة وعشرين لايك وثلاثة تعليقات ونص، قال لي أن أنشرها في صفحتي لأنني مؤثر هناك، كان ضجِرًا، واشتكي من جمود الجماهير: لو أننا كتبت على علي محسن شوقع لي كثير اعجابات.


وبعد أن دخل كل أصحاب القرية الفيس بوك، أنوي ولوج تويتر من أوسع أبوابه لأعرف الناس بعنتر.


* المقال خاص بالمصدر أونلاين

 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

مقالات سابقة للكاتب