فبراير، ثورة ومقاومة حتى النصر!

قبل فبراير من العام ٢٠١١، كان اليمنيون  قد استسلموا لواقع أنهم مملوكون لفرد وعائلة، وكان من يمر من جوار قصر صالح يظن أن هذا الكابوس سيصاحب حياة اليمنيين لعقود طويلة.


لم يكن جيل فبراير قد عاصر ثورة سبتمبر ولا تشبع بروحها، لأن صالح كان قد اختزلها في شخصه في الوقت الذي مسح آثارها وفرغها من كل مضامينها مبقيًا على العلم والنشيد وفي خلفيتهما صورته وصورته فقط.

دبابة الثورة، التي دكت قصر الإمام البدر ودفعته للهرب بزي النساء، هي الأخرى باعها صالح وأمهرها حسناء من إحدى بيوت الإمامة، ومن بقي من مناضلي الثورة أذلهم وحاصرهم وجعلهم مجرد متقاعدين ينتظرون راتبهم آخر الشهر.

أغاني الثورة هي الأخرى، كان إعلامه يترجمها لصالحه، ثم وصل الحال به إلى شطبها من وسائل إعلام الجمهورية واستبدالها بأغاني المدح والتبجيل  للرجل القدر والضرورة.

رجال الإعلام والسياسة هم الآخرون عاشوا في ظل صالح يحلمون بدعوة إلى مقيله، ولم يكن يضن عليهم بالقات الفاخر والنكات الجنسية وفتات المال.

كان كل شيء يقول إن الرجل قد تملك رقاب اليمنيين، وإن أي تغيير لن يحدث ما لم تقم ثورة ضد الرجل بشكل أو بآخر، لكن ذلك يستدعي التضحيات، ولم يكن أحدٌ على استعداد للتضحية.

كان الحال أشبه باتفاق الفئران على تعليق ناقوس على رقبة القط الذي يهدد حياتهم، كي يهربوا من أمامه وينجوا بحياتهم كلما سمعوا قرع الناقوس وهو قادم إليهم، لكن حيلتهم فشلت لأن أحدًا منهم لم يجرؤ على التصدي لمهمة تعليق الناقوس على رقبة القط.

وصلت المساعي السياسية وقتها إلى طريق مسدود، لأن صالح كان يحرق الوقت في سعيه الحثيث نحو مخطط التوريث وإخراس كل الأصوات المعارضة لتمليك البلد بالمطلق له ولعائلته.

أتذكر وقتها حوارًا مع أحد الأصدقاء حول إمكانية الخلاص من هذا الوضع السياسي الآسن، قال لا حل سوى نهوض الشعب، والشعب اليمني يمكنه أن يخرج إلى وقت الظهيرة فقط، ثم يعود إلى مجالس القات التي لا يفرط فيها.

لكن طلبة الجامعة كان لهم رأي آخر، إذ لم يتهيبوا تعليق الناقوس على رقبة القط، بل عروه أولًا وكشفوا اسمه كعفاش الدم، ثم طاردوه في الأزقة.

خرج طلبة الجامعة إلى الظهيرة، وبقوا إلى المساء وسهروا يغنون ويهتفون بسقوط عفاش الدم، ومنها وغرسوا بأجسادهم ثورة اشتعلت في أكثر من عشرين ميدانًا حول الجمهورية.

لم يهربوا وهزأوا بالرصاص والقنابل، لم يخافوا وأخافوا دبابات المستبد، لم يتراجعوا وأحرجوا الكبار، ثم هب معهم الشعب يصنع ثورة التحدي والسلمية والهزء بالقمع.

سالت دماؤهم وتطايرت أشلاؤهم، لكنهم اقتلعوا عرش الطاغية، ثم تآمر الجوار على ثورتهم وتمالأ العالم على إخمادها والحؤول دون تحقيق غايتها بإسقاط الاستبداد وإقامة دولة الحق والعدل والمساواة، الدولة اليمنية الحديثة.

وسارت أودية كثيرة، وهبت رياح عاتية، واستكمل الطاغية خيانته بتسليم الدولة بالمطلق إلى مليشيات الإمامة، ثم دارت الرحى عليه وطحنته، قبل أن تعود الإمامة على ظهره لتغتال حلم ثورتين وشعب.

كشفت ثورة فبراير كل الزيف، وأزالت كل الأقنعة، لتدفع بالقبح الكامن إلى العلن، ويقف الشعب وجهًا لوجه أمام العدو وأمام تداعيات صمته الطويل، واستحقاقات حريته المنشودة.

حصل الانقلاب على الدولة من قبل مليشيات الإمامة بتواطؤ ورعاية الطاغية الهالك، ثم نال عقابه بيد من استأجرهم لاغتيال حلم الشعب، ووجد الجوار المتآمر نفسه أمام نيران صواريخ من تواطأ معهم وكلبهم لإجهاض ثورة اليمنيين ونهضتهم الرامية لإقامة دولتهم المستقلة.

أما الأحرار فكانوا قد وجدوا طريقهم، من ساحات الثورة السلمية إلى جبهات المقاومة والنضال ضد أعداء الشعب وثورتيه، وهو طريق مكلف وباهض الثمن، لكنه سيوصل في النهاية إلى حلم الشعب الصابر، ويستحيب لهتافات شباب فبراير.

المجد لثورة فبراير، المجد لثوار فبراير، المجد للمقاومة التي ولدت من رحم فبراير، المجد والشفاء لجرحى ثورة فبراير ومقاومتها، المجد والخلود لأرواح الشهداء من أول قطرة دم في ساحة إلى حيث يرفع المقاومون علم الجمهورية على كل جبل وتل.



 


* المقال خاص بالمصدر أونلاين
 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

مقالات سابقة للكاتب