الثورة مع توماس

 شوارع صنعاء على اتساعها، أضيق من سم الخياط. جعلها صالح كذلك ليحصن نفسه، فكانت الثورة الجمل الذي حطم "السَّم".

أخذ صالح من عمر ثورة سبتمبر 33 سنة، باسم الجمهورية. تراكمت الرزايا على الشعب، وبدأ الوعي يتكون في أذهان الشباب. الجندي الذي شق طريقه نحو الرئاسة من نقطة تتعامل مع المهربين، مازال ينظر للشعب بعقلية قديمة، لم يعرف أن شبانًا من القرية قد قرأوا "توماس بين"، وأن التلاعب بالمسميات لم يعد مجديًا، أتذكر تقريرًا للعزيز خالد عبدالهادي كتبه عن صالح في صحيفة المصدر: ملك في قصر جمهوري. كان ذلك قبل ثورة فبراير بقليل. لم يكن الراحل إلا صورة طبق الأصل من إمامين" يحيى وأحمد"!.

11 فبراير كان ضرورة حتمية تأخرت. لم تعد صدورنا تحتمل الكبت.. لم نعد نحتمل التواري أمام سبتمبر المجيد. وبالمناسبة بدأنا نتجشأ من التنظيرات التي تتحدث عن "تمزيق النسيج الاجتماعي". كما أننا لم نعد نرغب بصرف ابتسامات التوجس للمجانين مخافة أن يكونوا مخبرين.

في إحدى مسيرات فبراير، اقتربت مني صحفية أمريكية، كان وجهها متناومًا وكأنها تشك بقدرة الشباب اليمني على الإطاحة بصالح. كانت بلا ماكياج وهذا ما يعزز مصداقيتها. يرافقها مترجم يمني، ومصور اختلطت عليّ ملامحه، لا أعرف إذا كان من الصين أم من الكوريتين أم من اليابان، لا يخرج عن هذه الدول.

سألتني الصحفية سؤالاً تافهًا لكنه على تفاهته بدا ذكيًا لأنه من أجنبية. سألتني عن سبب حضوري تلك المسيرة. الأجانب يدققون بالتفاصيل. قطعت ابتسامتي وقلصت الملامح. لأول مرة في فبراير العظيم لم أكن خائفا من آذان المجانين بل من المؤسسات العاقلة التي أنشأها صالح لمراقبة الشعب. "نريد أن نرقع النسيج الاجتماعي الذي مزقه صالح" قلت بتلعثم، قلت للمترجم لا تترجم الجملة، بدت إكليشة مستهلكة طبعت على كل دكاكين بني حشيش، قلت ثانية: "أنا هنا كل يوم.. نريد أن نحيا بكرامة.. بلا إمام"، الجملة هنا أنيقة ومتصلة ببعضها، لكن عندما قلتها تخللها التلعثم والارتباك، ومقاطعة المترجم الذي ينقل كل كلمة على حدة، والعيون الزرقاء لتلك الفتاة. كنت قد قرأت توماس بين، وعرفت أن المترجم لن ينقل لها ما أود قوله: هل الثورة حلال عليكم.. حرام علينا!.

إلى الآن، لم تتجسد الثورة في أي عمل أدبي قرأته، مثلما تجسدت في عمل هوارد فاست. كتب رائعته الذائعة: المواطن بين. توماس الذي قال: حيث لا حرية فثمة بلادي. البطل الثائر الذي حض الجنود والمدنيين، البطل الذي ألهم جورج واشنطون وقابله نابليون. المواطن توماس رمزًا للثورات. لهذا لا أحد يعلم أين قبره. العالم كله بلاده كما قال. ونحن من العالم. عندما كانوا يتناقشون عن الثورة، قال: "أريد طريقة في الحياة. طريقة تتيح للأطفال أن يبتسموا، بعض الحرية وأملًا للمستقبل، رجالًا ذوي حقوق ومحاكم لائقة وقوانين لائقة. أريد رجالًا غير خائفين من الفقر، ونساء غير خائفات من الولادة".

كنا نريد ذلك. بل كان صاحب الكشك أمام جامعة صنعاء، بشعره الأبيض يقول: نشتي ندلع. أعاد لنا فبراير، الأمل في الأحلام. والألفة أيضًا، أتذكر ذلك جيدًا، الألفة التي أعادتها ثورة فبراير، كان التشتت قد تسرب حتى بين الأصدقاء. أذكر أحد الصحفيين من أبناء الضالع، بعد 11 فبراير كان يذيل مقالاته بنجمة وتعليق صغير: انفصالي سابقًا وحدوي حاليًا.


* المقال خاص بالمصدر أونلاين



شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك