شاعر عالمي فوق الطقم

المبالغة بالتنبؤات الجميلة ليست جيدة على الإطلاق، وهم القوة الذي يجعلك تنتفش مثل الديك الرومي تضيع في الطريق، قد ينقرك القدر في منبت الجناح، ستصاب الخيبة، وتبلعها بمضاضة خشية أن يرى الآخرون الإحراج الذي تكابده.

 

في أسابيع الحرب الأولى، خانت التقديرات أكاديمي في الجامعة كما يقال، متعصب للمليشيا، فكتب بأنه «مقدور للحوثيين أن يحكموا الجزيرة العربية».

 

كان اجتياح المحافظات يتم بالتوالي. وانتفخ الدكتور مدفوعًا بالاجتياحات الساحقة الماحقة ليطلق تلك النبوءة. لم يكتف بصنعاء، وإنما الجزيرة العربية بكلها.

 

لنتمشى في شوارع دبي ونشتري الرمان الصعدي من أرصفتها، لنجول في سوق واقف والذي سيتحول إلى مقوات كبير، ونلوك القات في لؤلؤة البحرين.

 

مالم يدر في خلد اليمني، ورأس أكبر متشفٍ بالجزيرة العربية، سيدور في خلد الحوثيين، وإذا كانت نبوءة حكم الجزيرة قد أطلقها أكاديمي حوثي فكيف يفكر الرعاع، كيف يفكر من تراهم قياداتهم بأنهم قطيع من الأدنياء الحمقى، ينفذون الأوامر حتى الموت، وأدمغتهم متبلدة مجمدة عند وعود علية المليشيا فقط.

 

تم التقاط نبوءة الأسابيع الأولى التي كتبها الأكاديمي:
«مقدور لهم أن يحكموا الجزيرة العربية شاء من شاء وأبى من أبى».

 

وبعد أشهر، بدأ الرجل يستعرض بطولته الأدبية: البردوني كان يخاطبه «أنتم تعرفون» باعتباره ناقدًا، البردوني اشتكى إليه مرة حتى أنه كتب «تحامى قصائدك الناقدون»، كما زعم الكبسي وقد ظن أن مجال النقد الأدبي يشبه ساحة البلاد أمام المليشيا، سهلة الاقتحام وسهلة الانتفاخ. سيكتب في غمرة تعاسته: ومن يكون هذا البردوني حتى لا يأخذ بمشورة الكبسي.

 

لوذعية الردود لم تنصبه سيدًا على الأدب اليمني، كما لم تجعل الحوثيين حكامًا على صنعاء، فكما قال بأنه «مقدور لهم أن يحكموا الجزيرة العربية» قال عن نفسه «أنتم لا تعرفون ما أسهمنا فيه من تطوير للمشهد الشعري عربيًا وعالميًا».

 

نعم قالها هكذا «أنتم لا تعرفون» عن الإسهامات التي قدمناها للشعر عربيًا وعالميًا.

 

وبالفعل نحن لا نعرف.. وعندما قام متذوقو الشعر بالتحسس خلف تلك الإسهامات، غرفوا لنا هذه القصيدة والتي تقول في المطلع الآسر: «قررم قرم
فتليمنا في الديك من فوق القذال».

 

هذه القصيدة تهدم الشعر في رأس ريفي يكتب بالعامية، ولا يمكن أن نتصور أن رامبو استفاد منها، سيتصدع رأس سلفادور دالي ومنتسبي السوريالية وهم يبحثون عن مخرج شرفي للديك من فوق القذال أو من تحته، لن تسهم في تطوير حتى مقبل علي نفسه الذي قال:
«ثنتين بقر اترادعين وماتين
ومقبل علي بالصندقة مقيل».

 

مقبل علي لا يمكن أن يخاطبه بـ «أنتم تعرفون»، كيف بالعظيم عبدالله البردوني.

 

يمكن أن تكون الحماسة أخذت موقعها في وجدان الرجل عندما وجد نفسه في تطبيق للهاتف يحمل اسم الموسوعة الشعرية، وللأمانة قرأت بعض القصائد وهي ليست بالسيئة رغم أن معظمها محشوة بـ «كربلاء، الحسين، صعدة، إقليد القبيلة»، أما معلقته التي تقول: قررم قرم، فتليمنا في الديك من فوق القذال»، فعنوانها «هوشلية».

 

النبوءة الجيدة التي تريدها أنت في حلم يقظ ليست وحدها سيئة عندما تكون مدفوع بوهم القوة، بل استعراضك الفهلوي لتضخيم ذاتك، يشاكله في السوء في هذه المرحلة تحديدًا.

 

في الأسابيع الأولى، أكد بأنه مقدور لهم أن يحكموا الجزيرة العربية، كان ذلك جيدًا، وفي الأسابيع التالية انتفخ ملء القميص وقال من يكون البردوني.

 

أما في الأسبوع الفائت فقد تلاشت قوة المليشيا في صنعاء، وصعد الدكتور إلى صندوق الطقم حاملًا البندقية مؤكدا أنه ذاهب إلى الجبهات تلبية لنداء الجهاد.. لقد اختزلت المسيرة الافتراضية للأكاديمي، من النبوءة إلى صعود الطقم، استنزاف القوة البشرية للمليشيا.

 

نتمنى أن تنتهي الحرب، ويعود الرجل لكتابة الشعر
قررم.. قرم..

 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

مقالات سابقة للكاتب