"الاستاذ" في مواجهة "الشيخ" و"السيد"

يتعقد المشهد في اليمن ويتوه الناظر في مستويات الصراع الدائر وقد يغلّب عاملا على اخر. 
ونتيجة لقراءة اختزالية مفرطة استجابة لتصورات الغرب لطبيعة الحياة في بلداننا (الشرق الأوسط) يذهب الجميع الى قراءة المشهد ومعه المستقبل من مسطرة الصراع المذهبي فتحضر القوى الإقليمية بقوة في القراءة وتغيب الأطراف المحلية أصل الصراع ومنشأه. 


وسأحاول في السطور القادمة التركيز على البعد الاجتماعي وتمثيلاته عبر شخوص رمزية هي الاستاذ والشيخ والسيد.

تخيم فكرة الإمامة من منطلق ديني مقدس على مناطق انتشار المذهب الزيدي حتى غدا لا قيام للحكم الا بإمام تصورا شائعا وسنة من سَنَن الكون.

 

وكان تمدد الإصلاح يمثل اختراقا في الوعي في هذه المناطق يهدد المكانة الاجتماعية والدينية المقدسة للسيد.

على انه لا يختلف الإصلاح والحوثيون - الحوثيون كوريث محتكر وممثل للزيدية - في نظرتهم المتشددة تجاه الفضاء العام والحريات الشخصية ومكانة المرأة.

ويأتي الفارق من ان الإصلاح يهدم قداسة السيد ويضع مقابلها "الاستاذ" بالمعنى الروحي والدور الاجتماعي داخل المجتمع/القرية/المسجد. 


وهذه نقطة تهديد وجودية لفكرة متأصلة ومتجذرة لعشرة قرون. ويشترك الحوثيون والمؤتمر في عدائهم للإصلاح باعتبار الإصلاح منافسا اجتماعيا لهم وينصب الاستاذ ضدا على الشيخ بينما من الناحية الدينية فلا فرق لأن الموتمر لا يمثل تمايزا مذهبيا وإنما هو خليط مركب من الانتهازية السياسية والاجتماعية. 
اتذكر ان للاستاذ عبد الباري طاهر دراسة منشورة هي مقارنة بين خطاب الأحزاب وبرامجها تجاه مسائل معينة كالمرأة والحقيقة انه يخلص الى تقارب واشتراك بين الأحزاب موضوع الدراسة؛ مؤتمر، اصلاح، اشتراكي، ناصري ...

 

اما السعودية فان العداء تجاهها من طرف الحوثيين متأصل يتجاوز فكرة التباين المذهبي الى صراع في أحقية الحكم بين الإمامة القائمة على تقديس السلالة بينما قدمت دولة آل سعود انموذجا مغايراً في الحكم قضى على السلالة المقدسة وارتكز على مذهب قعّد لهذا الحكم مشروعيته متجاوزاً "عبادة" الهاشميين أحياء وأموات كشكل من اشكال "الشركيات" الى حانب الحرب بين يمن الإمام وال سعود في ثلاثينيات القرن المنصرم. هذه الحرب ونتائجها الكارثية على الدولة الفتية اليمنية جعلت مسألة الجغرافيا /الحدود - وهي شأن وطني مشترك بين ابناء اليمن - تتداخل مع العداء المذهبي ولهذا أخذ هذا العداء بعداً وطنياً ملتبساً تجدد مع هذه الحرب التي دشنها الانقلابيون ودخلت فيها السعودية مناصرة الرئيس هادي.

 

حتى وان اتفقت السعودية مع الحوثيين مرحلياً فإنها تضل في وعيهم ناصبية هدامة لواحد من أركان الإيمان التي عرفتها الوثيقة الفكرية للحوثيين قبل أعوام قليلة وهو الولاية.

يشترك الإصلاح مع الوهابية في ابتدار آلية حكم خارج السلالة الهاشمية ويفترقان لاحقاً في النظرة الى الحاكم. ولذا فإن المفترق يقوض المشترك بين الإصلاح والمملكة والتي تجد نفسها أقرب الى الشيخ وتفصله لولا خذلانه المتكرر وانزياحاته الانتهازية.

 

هذه التقاطعات تتيح فهم المراوحة التي تهيمن على مشهد الحرب في اليمن.

والحقيقة ان الوهابية قياسا بالسائد من عموم الحكم المخصص في قريش لدى السنة وال البيت لدى المتشيعين في العالم الإسلامي هي قفزة نوعية وانعتاقاً سياسياً هاماً. 
لقد قوض الإسلام الذي افسح المجال نسبياً ونظرياً لتخفيف العبودية الاجتماعية والاقتصادية وأنتج عبودية سياسية تخضع كل منتسبي العالم الاسلامي إما لقريش أو للهاشميين.

 

ولا أظن أنه فات على دارسين ومفكرين عرب كثر هذه الحركة ليشيدوا بخطوتها السياسية ثم تراجع البعض منهم تحت تأثير فكر اليسار الذي قسم الناس إلى فسطاطين رجعيين وتقدميين، وكانت السعودية بوهابيتها في قسم الرجعيين بينما تقاسم الجميع الديكتاتورية وتدمير المجتمعات وسحقها ثقافيا.

 

وعودة الى ثلاثية الاستاذ والشيخ والسيد فقد أنتجت التيارات اليسيارية "المثقف" وكان هذا على نقيض -من حيث المبدأ - من عناصر الثلاثية. إلا أن تحالفات بينية بين الأستاذ والشيخ سحقت "المثقف" اليساري وهذا يفسر تواجد الأخير في صف "السيد" في المشهد اليمني الحالي نظراً لـ "اللبوسات" الوطنية التي تغطي العداء الحوثي السعودي من ناحية والرغبة الانتقاميةمن تحالف الأستاذ مع الشيخ في السابق.

 

والخلاصة أن التحالفات والتقاطعات ليست ثابتة. وربما تمتلك العقيدة المرتكزة على السلالة جذوراً تاريخية أعمق وبالتالي حمولة تاريخية ودورات عنف أشد. 
وفي المشهد الراهن يغيب "المثقف" بصيغته اليسارية ويظهر أقل فاعلية بينما يتحمل الأستاذ أعباء كبيرة ويتعلق الشيخ بقشة جديدة مشطوراً بين ولاءات عديدة ومستقبل مجهول.

* من صفحة الكاتب على الفيس بوك

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

مقالات سابقة للكاتب