اغتصاب جماعي

تتخطى جريمة الاغتصاب انتهاك حصانة الجسد عبر القهر والإكراه وانتزاع انسانيته وكرامته ليلقى بعدها حطام لا تعريف له او إسم، تتشابه كل ضحاياه بشعورها بأن لا قيمة حقيقية لها وأن مسؤولية تلك لجريمة تقع على عاتقها وأنها المتسبب الوحيد لحدوثها...

لك أن تتخيل حياة سوية لإنسان تجرفت روحه لدرجة إمكانية تمرير يدك واختراق التجويف الذي صنعته الجريمة لتنفذ للجهة المقابله من جسده..

لذلك حاولت أن لا أخوض في غمار هذا الموضوع، وأن لا أسير خلف جموعه الغاضبة المنددة أو الأخرى التي تعتبره مجرد فبركة إعلامية، سددت أذني عن تلك الحادثة بل وانكرتها، لم يكن الخجل ما منعني أو شعور بالعار لكون الضحية أنثى، فلا أجد أن العار التصق بالمرأة _ إن حدثت الجريمة فعلاً_، بل على المجتمع الذي لم يستطع حمايتها والدفاع عنها..

رفضت الانجراف وراء تلك الحادثة لشعوري بأن هناك من يحاول سرقتي، وخطف فقاعة الأمان التي صنعتها حولي منذ ابتدأت الحرب، لن اسمح لأحد بأن يأخذ مني بقية إحساس بالأمان والإنسانية..

لكن ما شد انتباهي الشغف الجماعي الذي سيق الجميع وراءه، على الرغم من عادة مجتمعنا التحفظ وستر مثل تلك الحوادث، وحلها سريعاً قبل أن تظهر للعلن وبهذا الشكل الفج..

هل مبرر تلك الغضبة الشرسة كون الضحية أنثى، والانثى عار المجتمع " والنصف الأضعف " كما يصفونه "؟!، أصابني ذلك التبرير بالحيرة، فذلك النصف الأضعف هو الذي يقف وحيداً يتعرض للضرب والتجريح أمام سجون الحوثي ومعتقلاته في سبيل خبر يطمئن أم على ابنها، أو زوجة على زوجها المفقود لدى ميليشيا الحوثي..

" النصف الأضعف" في المجتمع هو الذي خرج في قمة نشوة انتصارات الميليشيا متظاهرا للمطالبة بجثة الرئيس السابق، وتجرأ على وضع الزهور أمام منزله ليهان أمام أعين وذهول العالم، " النصف الأضعف " هن النسوة اللواتي تورمت أقدامهن في الطوابير متجاهلات عنجهية مشرفي الميليشيا وعقال الحارات بحثاً عن إسطوانة غاز ..

لا تتوقف تلك الجرائم عند حدود أجساد النساء، كثيرة هي الحكايات التي شاب لها الرأس عن أطفال نجوا واستطاعوا العودة من الجبهات التي اقتيدوا لها ليقصوا حكايات اغتصاب ممنهجة لاجسادهم من قادتهم وأمراء الحرب المسؤولين عنهم، للعلم تعرف تلك الحالات أيضاً" بجرائم اغتصاب"، فلماذا صمت الجميع عنها ؟!..

الا تعد عودتك لمنزلك خالي الوفاض بعد يوم عمل شاق دون أن تملك ما يقتاته أطفالك " جريمة اغتصاب لحقك" يعاقب عليها القانون ويرفضها المجتمع والإنسانية، أم أننا اصبحنا في زمن المطالبة فيه بحقك تهمة توجه بانتمائك للطابور الخامس الذي قد يودي بك لتمسي من مسجوني الطابور السابع في السجن المركزي أو ربما التاسع في سجون الأمن القومي، لا أحد يدري ما الذي تأتي به الأيام ؟!..

الا يعتبر ضياع وطن وتدميره المستمر بتقسيم شبه عادل بين ميليشيا الشر، وبين قوات التحالف العمياء، التي لم أعد اعتقد إصابتها بالعمى بل هي مدركة تماماً لما تقوم به، أكبر عملية اغتصاب جماعي مورست على كل مواطن يمني، مازلنا حتى اليوم نغض أبصارنا عنها حتى لا يواجهنا الوطن بعتابه المر ..

لا أسهل من إفراغ غضبك على جندي غريب من قوات التحالف، فالصراخ أكثر الطرق العلاجية لحالات القهر والكبت الجماعي الذي نعاني منه، لكن هل ستختلف القضية إن كان المغتصب يحمل بطاقة شخصية يمنية!!

لا تختلف الجريمة وعقابها مهما اختلفت جنسية مرتكبها أو لونه، إلا أن كان الجاني أقوى منك وأشد عنفاً، يمسك بناصيتك ويعيد تكرار جرائمه عليك دون أن تتفوه بكلمة اعتراض، فانت تملك في هذه الحالة الوسيلة الأسرع للسلامة وهي " الصمت الذليل " ..

كونوا أشداء وزيدوا من مرونة جلودكم، فضياع الوطن له تبعات كثيرة لن تتوقف عند حادثة اغتصاب هنا أو انتهاك هناك، مازال الملف مفتوحاً، ولن يغلق بالسهولة التي نتوقعها..


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك