لا شجرة ميتة في إسطنبول (1)

 في كل أسبوع تقريباً اذهب الى وسط إسطنبول إلى "جولهانا" هي حديقة أشجار ذات عمر طويل من بين تلك الأشجار شجرة لها جذع مسن كما يظهر من خلال ساق الشجرة وانا هنا استعيد بعض ما تحويه ذاكرتي العلمية باعتباري تخصص كيمياء واحياء ومن خلال ساق الشجرة يمكن مقاربة عمرها كما يمكن مقاربة عمر الانسان من ملامح وجهه..

هذا المساء حملت حقيبة الظهر ذات المزيج البنفسجي والأسود في الطريق إلى ذات الشجرة كنت مع موعد مع عالم نباتات تركي لديه المام في اللغة العربية باعتباره تركي يعود أصوله إلى اليمن وإلى مدينة جبلة إب على وجه التحديد كما شرح لي..

أنا مولع بالشجر من طفولتي لأسباب كثيرة أن الطفل الذي ينشأ في السهول أي سهول تتفتح مداركه نحو الطبيعة نتيجة الإرتباط المبكر لعيون هذا الطفل بالخضرة فكيف بالطفل الذي نشأ في سهول المناطق الوسطى ويقع منزلة أعلى السهل وتطل قريته على خمسة وديان تمتد من أعلى يحصب الإسم التاريخي لمديرتي القفر ويريم نسبة إلى يحصب ابن رعين الذي يتصل بحمير باتجاه وصاب وعتمة نحو البحر الأحمر .. منقطة فاصلة بين المناطق التي تصب سهولها نحو البحر الأحمر والمناطق التي تصب سهولها نحو بحر العرب..

كان لقائي بعالم النباتات له علاقة بالكتابة أكثر من علاقته بالعلم ومحاولة للإجابة على سؤال عن علاقة إسطنبول بالشجر وهل هناك شجرة ميتة في اسطنبول أو ماتت على الأقل؟ سؤال يخطر في بالي منذ الأيام الأولى التي عرفت فيها إسطنبول واقصد بالأيام الأولى تلك الأيام التي وصلت فيها إلى هذه المدينة التي تربط آسيا أوروبا مطلع العام 2014 أثناء حضوري مؤتمر السلام والديمقراطية وسط المدينة وفي منطقة تقسيم تحديداً.

 في الغالب ترمز المدينة الحديثة الى الزجاج والاسمنت والسلع والصناعة وحركة القطارات وعوادم المركبات ونادراً ما حافظت المدن على المساحات الطبيعية فيها باستثناء اللمسات التي تقوم بها البلديات من وضع الأشجار في الرصيف الذي يفصل بين الطرقات ولم تستطع بعض المدن أن تقاوم انتشار الاسمنت والزجاج والبلاستيك والحديد واختفت معالم الريف حتى المدن ذات الطبيعية الريفية.

 من بين المدن التي أعرفها والتصقت بها كانت إسطنبول هي ثاني مدينة بعد إب احتفظت بالشجرة بشكل تلقائي ومخطط في ذات الوقت، وحينما حضرت في بالي فكرة البحث عن الأشجار الميته في إسطنبول حاولت أن أجاري هذه الفكرة التي خطرت في بال شاب مرتبط بعمل دوام 8 ساعات لكنه لا يتردد عن مجارات خيال المغامرات التي يقدر عليها حينما تخطر في باله فكرة ما.

 ولان المدينة كبيرة وشاسعة واقصد هنا إسطنبول لم أتمكن من معرفة ارجائها الواسعة خصوصاً بعد أن صدمني سائق تاكسي وانا برفقة الصديق محمد عبد المغني حينما طرحت عليه فكرة أني أنوي التفرغ لشهر كامل لمعرفة أكبر قدر ممكن من اسنطبول، قال لي إنه أمضى نحو 20 عاماً من عمره سائق تاكسي يجيد العربية وهو من أبناء المدينة ومن حي " باشك شهير" وتعني المدينة العذراء غير أنه إلى الآن لا يعرف إلا ما يقارب 70% من إسطنبول.

 فتحت "جوجل" وحاولت البحث عن الأشجار في هذه المدينة لأسباب كثيرة من بينها ولعي الشديد بمعرفة أشجار هذه المدينة وخصوصاً تلك الاشجار ذات الملمح الجمالي وتندرج تحت الأشجار كافة النباتات من بينها الورود التي ترتبط بشهر إبريل ومايو وهي أكثر الأشهر المناسبة للبحث عن النباتات والأشجار وهي حالة تأملية بالنسبة لي أكثر من كونها حالة بحثية أكثر حدائق أشجار لفتت انتباهي هي حديقة "جولهانا" كانطباع ذاتي خاص بي.

تاتي بعدها حديقة "أتاتورك بلغراد" التي قيل إنها ملتقى أشجار العالم بحسب البحث الذي قمت به بشكل طوعي عن تاريخ أشجار المدينة .. أن تبحث عن الأشجار الميتة في مدينة إسطنبول هو بحث عن رجل مسن في حضانة أطفال او هكذا خيل لي غير أن شغف الفتى الريفي غرس منذ زمن لا يتذكر تفاصيل ذلك الزمن الذي كنت أذهب فيه مع أخي شاجع وابن عمي عمرو المقبلي إلى أعالي الحبال للبحث عن نوع معين من النباتات وكان يسمى "عود الحلبة" وهو نبات كان يباع بثمن جيد في المدن المتوسطة مثل مدينة يريم ونعود بملابس رياضية ومجلات وكرة قدم بعد بيع ذلك النبات الذي كان الكيلو جرام منه في ذلك الوقت بما يعادل 2 دولار.



شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك