فتاوى شعبية

عليك أن تكون رجلًا وتقول جملة لها وقع، كي لا تكون جاهلًا عند الآخرين.

في المدرسة الابتدائية كنت من الأوائل، هذا ما جعل بعض اصحابي يظنون أنني مازلت متفوقًا حتى في الفقه من ذلك اليوم. ارتفع الظن إلى مرتبة اليقين بعد أن عرفوا أني ما زلت أقرأ خارج المنهج، وهذا ما يجعلهم يستعينون بي بفتاوى فقهية، لا الاستعانة بقراءة روايات. أريد أن أقول: لا أدري.. لكنهم سيقولون بأني ضيعت عمري في دراسة الإذاعة والتلفزيون وقراءة الكتب، ما الفائدة؟

مؤخرًا اتصل بي صديق دراسة في القرية، قال بأنه تقيأ، هل يفطر أم يواصل صومه؟ عليك أن تقول جملة دون أن تتلكأ.. عندما وعيت فقه المدرسة، رعف أبي في الصلاة، قمت أفتيه مما علق في رأسي من فقه المدرسة، يومئذ لم يسمعني أبي، قال لي: أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار. لا تتحدث في الفقه، هؤلاء الذي يفتون لا أشجع منهم سوى السياسيين.. كن شجاعاً ولا تقل شيئًا..

مرة حدثني صديق عن طبع والده، اجتاز دور المفتي إلى تصنيف الناس، كان فوق المنبر بالقرية، تاه في منتصف الخطبة، لكنه كان رجلًا فقال جملة لها وقع كي لا يكون جاهلًا عند الآخرين، لقد رأى رجل يصل المسجد لأول مرة في حياته، فما كان منه إلا أن قال: الآن يطلع عليكم رجل من أهل النار!.

أحيانًا لا يريد الإنسان أن يخسر مكانه بالصمت والتلكؤ، يريد أن يقول جملة لها ثقلها، يفتي كي لا يقول عنه الناس بأنه قليل علم. قال لي صديق الدراسة بأن أمه قالت له بأن يواصل صوم يومه، لكن عليه أن يقضيها في يوم آخر. في طفولتي تقيأ أحدهم في صباح رمضان، لكنه تناول حزمة من القات وأشعل المداعة في الظهيرة، قال بأنه استفتى قلبه، لكنه لم يسمح لأحد أن يقتفي أثر قلبه، كان يقول: لا أحمل ذمتي لأحد.. ذمتي لنفسي فقط.

روى بن الحسين الرازي في كتابه نثر الدر، موقفًا طريفًا، قال: جاء رجل إلى عابد فسأله عن القبلة للصائم، فقال: تُكره للحَدث، ولا بأس بها للمسن، وفي الليل لك فسحة. فقال السائل: إن زوجها يعود إلى منزله ليلًا. فقال العابد: يا بن أخ؛ هذا يُكره في شوال أيضًا.

عند الصوم تكثر الأحاديث حول "القُبلة والإفطار". قبل سنوات تم توزيع "مطوية" في الريف حول الصيام، قرأها أحد الذين يجيدون القراءة لكبير في السن، وفيها أن النبي كان يباشر زوجاته في نهار رمضان، وعندما استسفر الكبير عن معنى "المُباشرة"، تقمص قارئ المطوية دور الفقيه الكبير، أراد أن يكون رجلًا يقول جملة لها وقع، لا يريد أن يكون جاهلًا في عين الشيبة فراح يوضح: الدخول بلا كُريع!. يقصد للصائم كل شيء دون القذف. فما كان من الكبير إلا أن رد له وهو يمسك ذقنه البيضاء: بشيبتي هذه، لو دخل دخل!.

* المقال خاص بالمصدر أونلاين



شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك