طباعة لماذا تقاتل القبائل قوات العميد احمد على قمة جبل الصمع ولم تغدر عمران باللواء 310 ؟

جغرافيا الحرب المحتملة في اليمن

السبت 15 أكتوبر 2011 11:13:56 صباحًا

يتابع سكان العاصمة صنعاء الحرب الشديدة في أرحب منذ 9 أشهر عبر أصوات الانفجارات الليلية الضخمة. والواقع أن الناس باتت تتساءل: من سيستسلم للآخر في هذه المعركة؛ ألوية الحرس الجمهوري المسلحة والمدربة جيداً أم رجال أرحب الأقوياء؟!


الحرب القائمة، والمحتمل نشوبها، ستكون حيث تتواجد قوات العميد أحمد علي عبدالله نجل الرئيس صالح، وقياساً على هذا الاحتمال الراجح، وبالنظر إلى خارطة توزيع ألوية وعتاد الحرس الجمهوري التابع لنجل الرئيس، فاليمن ستكون في منأى عن الحرب عدا العاصمة صنعاء وبدرجة رئيسية؛ بعض المديريات المتزاحمة على أبوابها.


وزع الحرس الجمهوري ألويته ومعسكراته الرئيسية في محافظة صنعاء بنسبة 75 بالمائة.. فمن بين أكثر من 25 لواء حرس جمهوري هناك قرابة 15 معسكراً مترامية على رؤوس جبال العاصمة وجبال المديريات المجاورة لها.. وهي استراتيجية دفاعية وأمنية عمد إليها نجل الرئيس صالح ليس فقط لتأمين العاصمة السياسية، ولكن أيضاً كتكتيك ضامن ومساند لفكرة التوريث.


تبدت هذه الفكرة الرئيسية في ذهن الخلية الأولى التي أسست لفكرة «توريث السلطة» بعد حرب صيف 1994 بثلاث سنوات تقريباً.. تأمل الرئيس صالح حينها في الفكرة بعمق، ووجد أن الجيش هو العقبة الصعبة في طريق نجله الأكبر إلى القصر، لكنه، وبالاعتقاد ذاته قرر إيكال هذه المهمة إلى الجيش، ولكن جيشاً جديداً يصنعه على يديه ويقوده أحمد.


كانت حينها الفكرة سرية للغاية وكانت صنعاء حينئذ في قبضة القادة العسكريين الكبار: علي محسن صالح، ومحمد إسماعيل القاضي، علي صالح الأحمر (شقيق الرئيس صالح) قائد الحرس الجمهوري السابق.


كانت الفرقة الأولى مدرع قوية وقابضة على 80 بالمائة من المؤسسات الحيوية في صنعاء، وكانت الصباحة لا تزال مؤخرة عسكرية للمنطقة العسكرية الشرقية، التي يقودها اللواء محمد إسماعيل حينئذ.. كان الحرس الجمهوري فقط عبارة عن؛ «السواد» ومعسكر «ضبوة» تقريباً وجبل «نقم» (دفاع جوي).. وحتى الصمع ذاته كان تقريباً يأتمر للواء علي محسن صالح كأحد الألوية التابعة للمنطقة الشمالية، وكانت الإذاعة والتلفزيون وقيادة الأركان في يد رئيس أركان الفرقة الأولى مدرع اللواء علي محسن الأحمر. لكن قبضته الشديدة بدأت تخف وتتراخى شيئاً فشيئاً لاسيما بعد أن فقد محسن ذراعه الأيمن اللواء محمد إسماعيل قائد المنطقة الشرقية العسكرية، الذي راح في حادث تحطم الطائرة العسكرية في سماء صحراء «العبر» مع عدد من القادة الكبار أبرزهم: اللواء الركن أحمد فرج نائب رئيس الأركان.


شكل ذلك الحادث صدمة عنيفة للقوات المسلحة وكانت له تداعيات عميقة وممتدة داخل أسر وبيوت سنحان الكبيرة، التي ينتمي إليها أغلب ضحايا الطائرة، ليمتد ذلك الشرخ إلى داخل الجيش والمناطق والوحدات العسكرية. وفي اليوم التالي مباشرة على الحادث سيطرت كتيبتان من الحرس الجمهوري على موقع «الصباحة» الإستراتيجي بأوامر مباشرة من الرئيس نفسه.


وتفيد مصادر محدودة التداول أن صالح كان يخطط لاستراتيجية التوريث «وعلى باله موقع الصباحة». وقيل إن الرئيس حاول عبر وسطاء داخلييَن لدى اللواء محمد إسماعيل سحب «مؤخرة المنطقة العسكرية من الصباحة وتسليم الموقع للحرس الجمهوري» لكن طلبه اصطدم بالرفض القاطع من محمد إسماعيل القائد العسكري العنيد والأكثر صرامة في سنحان.


سيطر الحرس الجمهوري على البوابة الغربية لصنعاء والأخطر تهديداً لأمنها المباشر.. ويبدو أن الرئيس صالح استمع إلى محارب قديم وقص له من أي جهة كان يدخل «الغزاة» إلى عاصمة اليمن التاريخية، ولذلك سمى سكان صنعاء «الصباحة» بهذا الاسم. وفي مقابلة سابقة مع «المصدر أونلاين» أشار حفيد الإمام يحيى حميد الدين إلى هذه الحقيقة التاريخية «الغزاة يدخلون صنعاء من جهة الغرب». وأضاف الأمير علي بن إبراهيم بن يحيى حميد الدين مبتسماً: «والفاتحين يدخلوها من جهة قِبلة». وإذاً فلماذا ومن يقاتل الحرس الجمهوري شمالاً وشرقاً منذ 9 أسابيع ولم يستيقظ بعد معسكر الصباحة؟!


توسعت صنعاء عمرانياً كمدينة وامتدت لتلتهم حدود القبائل المجاورة لها، فأخذت أراضي شاسعة من قبيلة بني مطر (حدة، الصافية، بير العزب، عصر، فج عطان، ووصلت إلى الصباحة). ثم أخذت من همدان مواقع الفرقة الأولى مدرع ومذبح وشملان وذهبان وبعض جدر وتكاد «تلهف» قرية «ضلاع» وقرية «القابل»، وهكذا توسعت صنعاء جنوباً متوغلة في أراضي سنحان وبني بهلول، وشرقاً التوت المدينة على «نقم» وركبت «ظهر حمير» إلى سوق الحتارش في بني حشيش. أما «بني الحارث» الجار الأقدم لصنعاء تاريخياً فإن 80 بالمائة من مساحتها الجغرافية صارت جزءاً من أمانة العاصمة، حيث كانت تمتد هذه القبيلة العائدة جذورها إلى «مذحج» الكبرى من باب شعوب شمالاً بشرق حتى بني «جرموز» المغروسة كحد بين نهم وقبيلة أرحب.


تجاسرت صنعاء وقفزت من على السور، لكن أبوابها لا تزال سبعة.. وعند كل بوابة تتواجد معسكرات الحرس الجمهوري الآن وكتائب الأمن المركزي، فعند البوابة الغربية لصنعاء توجد «نقطة الصباحة» ومعسكر الوحدات الخاصة، وأمام «نقطة قحازة» (البوابة الجنوبية) وخلفها يوجد لواءا حرس جمهوري تقريباً، وعند نقطة بني بهلول وسنحان يتمركز معسكر «ضبوة» كقوة ضخمة مساندة للسواد الذي تحول إلى قيادة مركزية للحرس الجمهورية وشئونه المالية الإدارية. وفي نقطة الأزرقين، وهي البوابة الشمالية لصنعاء تتخندق كتيبتان (حرس وأمن) وإلى جانبها وصلت تعزيزات عسكرية أثناء حرب الحصبة في مايو الفائت، ومثلها بوابة المحويت إلى صنعاء (غرب) توجد كتيبتان (حرس وأمن) مسنودتان بمعسكر الاحتياط المحمول على كتف قرية «ضلاع همدان».. تلك 5 بوابات رئيسية وتبقى بوابتان أساسيتان وتدور المعارك الطاحنة عند أقدامهما: بوابة شرقية «نهم» وبوابة «أرحب» شمالاً. وأمام وخلف وبمحاذاة هذين المنفذين الرئيسيين إلى المحافظات الشرقية والشمالية حط الحرس الجمهوري ترسانته الضخمة من السلاح وركَّن عدد من الألوية والمعسكرات على الجبال وفي الحلوق والمخانق.


لم يتبقَّ من جنود محمد إسماعيل في تباب صنعاء أحد، ولم يتبق لعلي محسن سوى موقع الفرقة الأولى مدرع والجبل المحاذي لها. لكن قوة اللواء محسن الحقيقية في الوقت الراهن، وفي صنعاء بالذات، هي تحالفاته القبلية، وبالذات مع حزب الإصلاح القوة الأكثر تنظيماً والحزب الأكثر نشاطاً في البيئة المحيطة بصنعاء..


عمد الرئيس إلى إزاحة علي محسن عسكرياً من صنعاء «حبة حبة»، كما قال أحد القادة العسكريين القدامى، لكن محسن، كان يتوغل ويتعمق أكثر في أوساط القبائل «ويحتوي الناس والمشائخ المُهمَلِين».


لا يتمتع قائد الحرس الجمهوري العميد أحمد علي عبدالله صالح بعلاقة جيدة مع القبائل، ولا أظنه زار بني ظبيان مثلاً أو «نزل في ضيافة إلى عمران». بل إن أحدهم يقطع مبالغاً: «لا أظنه سار يوماً في شوارع الحصبة». كثف العميد أحمد جهده في العشر السنوات الأخيرة في بناء الحرس الجمهوري تدريباً وتسليحاً وتوزيعاً.. ظل علي محسن يخسر جيشه اللواء تلو الآخر، لكن بيته ومكتبه ظل يستقبل المشائخ والوجاهات يومياً، ويبني علاقات تواصل قوية مع قيادات عسكرية ليس فقط مع مختلف المناطق العسكرية، ولكن أيضاً داخل معسكرات الحرس الجمهوري ذاته.


لاحظوا أين تتوزع ألوية الحرس الجمهوري في محافظة صنعاء: في خولان، في أرحب، في نهم، في بني الحارث، في بني حشيش، في بني مطر، في الحيمة الخارجية، في بلاد الروس وسنحان، ولاحظوا أين تدور الحرب الآن وأين تسقط طائرات الـ«سوخوي».


تؤيد محافظة صنعاء الثورة بنسبة كبيرة، وإلا فما معنى أن تشهد بوابات صنعاء السبع إغلاقاً كاملاً في وجه الداخلين، عندما تهدد المعارضة بالتصعيد أو الحسم؟! كما ولم يظهر إلى جوار الرئيس شيوخ قبليون كبار من المحافظة كمشائخ خولان أو الحيمتين أو أرحب ونهم، بل إن الرئيس خسر بعد جمعة الكرامة حلفاء كباراً انضموا إلى الثورة كالشيخ بكيل ناجي الصوفي عضو مجلس النواب وأحد أبرز مشائخ خولان، والشيخ محمد شردة أحد أبرز مشائخ الحيمة الداخلية وعضو مجلس النواب أيضاً، وكذلك بعض مشائخ نهم.. هناك مشائخ كبار ليسوا مع المعارضة وليسوا مع الرئيس كما هو واضح، وهناك من هم معه كآل الرويشان في خولان وبيت غوبر في الحيمة ويحيى علي عائض في همدان وآخرين، لكن لا توجد معسكرات لعلي محسن في مناطقهم حتى يثبتوا للرئيس صالح أنهم معه بالفعل.


تدور الحرب حالياً في بعض محافظة صنعاء، وعملياً يعتبر جبل الصمع بألويته الثلاثة «المترس» الأخير للرئيس صالح على شمال وشرق اليمن، خصوصاً بعد أن فقد السيطرة العسكرية على 60 بالمائة من مساحة وجغرافيا الجمهورية اليمنية، ولاحظوا كم تبقى وكم يتواجد للعميد أحمد من جنود وألوية بدءاً من حدود نقطة الأزرقين والصمع وحتى حدود السعودية (صعدة، عمران، الجوف، حجة)، وكم يتبعه في حضرموت والمهرة بعد انشقاق اللواء محمد علي محسن قائد المنطقة العسكرية الشرقية.. والحقيقة كم الذي تبقى من اليمن تحت أقدام الرئيس كمساحة بعد خروج محافظات (حضرموت والمهرة والجوف وصعدة وعمران) عن سيطرته.


لم يضع الرئيس صالح في حساباته العسكرية والأمنية سوى فكرة تأمين العاصمة وتكثيف تواجد الحرس الجمهوري حولها دائرياً.. كما ولم يتوقع تأثيراً قوياً للمعارضة في مديريات محافظة صنعاء الـ16 التي باتت تهز عرشه الآن.
واضح أن الرجل عوَّل على الحرس كثيراً ولم يدرك بالفعل المتغيرات التي حصلت داخل محافظة صنعاء التي تنتمي إليها مديرية سنحان. فهو، أي الرئيس، عندما جاء إلى البرلمان، بعد انتصار ثورة الياسمين في تونس وهروب بن علي، جاء محذراً من فوضى عارمة ستحل في اليمن إذا ما قررت المعارضة النزول إلى الشارع، وكان يعتقد أن القبائل المحيطة بصنعاء لا تزال على عهدها سنة 1948، عندما نهبت المدنية وألقت القبض على الإمام عبدالله بن أحمد الوزير.. قال الرئيس حينها مخاطباً البرلمان: «اليمن ليست تونس ونحن نحذر من فوضى عارمة، وعلى كل شخص أن يدافع عن ماله وعرضه». وقد كان الناس، بمن فيهم الصحفيون، يتوقعون بالفعل أن يعاد تشغيل فيلم 1948.. لكن الذي حصل هو العكس.


وبالعودة إلى جغرافيا الحرب المحتملة ذاتها، شمال صنعاء تحديداً، فإن المعارضة كقوة وسلاح موجودة هناك، فإلى اللواء 310 المؤيد للثورة بقيادة القشيبي في عمران، توجد أيضاً في عمران نفسها قوة قبلية هائلة، ليس فقط تحمل السلاح، ولكن أيضاً منظمة.. وفي حرف سفيان باعتبارها المساحة الجغرافية الأكبر في عمران فإن قوات العمالقة هناك بقيادة اللواء علي بن علي الجائفي قررت أن تبقى على الحياد.. وصعدة المنهكة والجريحة والحوثي بقوته أعلنت تأييدها للثورة السلمية، ولا يبدو أنها ستتخلى عن «نعمة السلام» ولا الجيش المؤيد هناك أيضاً سينجر إلى الحرب مجدداً.


اشتغلت المعارضة، وبالذات حزب الإصلاح مستفيداً من تحالفاته القبلية الواسعة، داخل هذه المناطق بشكل مكثف (عمران، صنعاء، الجوف) ففي عمران، تبدو قوة الإصلاح في «بكيل» أكبر منها في حاشد، رغم أنه الأنشط سياسياً داخل قبيلة الشيخ أيضاً. وفي الجوف لم تصمد كتائب الحرس الجمهوري لساعات أمام هجمة القبائل المؤيدة للثورة، وثبت أن الإصلاح هناك هو الأقوى، ووسط هذا المحيط القبلي الهائج لم يعد للحرس الجمهوري سوى بعض الكتائب المتباعدة.


تتأكد قوة أي طرف من ضعفه في هذه المحافظات، من نقطة غاية في البساطة؛ هي أن القبائل لا تغدر بالمعسكرات المؤيدة للثورة في حين تقاتل القبائل تلك المعسكرات المؤيدة للرئيس وتتصرف معها بلا هوادة.. وهناك نموذجان كافيان لتأكيد هذه الصورة؛ اللواء 310 (مدرعات) المؤيد للثورة في عمران وألوية الحرس في أرحب. الأول بقيادة القشيبي، الذي ينتمي قبلياً إلى حاشد، ويتواجد في أرض حاشد وبكيل لم يتعرض حتى اللحظة لأي تهديد من جهة القبائل فيما تخوض ألوية الحرس الجمهوري في أرحب حرباً مفتوحة مع القبيلة هناك. رغم أن لواء القشيبي لا يملك التحصينات نفسها ولا الموقع ولا مستوى التسلح.. وهكذا تعاملت قبائل «نهم» و«الجدعان» مع كتيبة «الفرضة» التابعة للحرس الجمهوري، كذلك مع اللواء 63 مشاه جبلي (حرس جمهوري) في «بيت دهرة» بقيادة الكليبي.. لا تمتلك الفرقة الأولى مدرع في صنعاء سلاحاً ثقيلاً ولا عتاداً عسكرياً كافياً ومتطوراً، لكن اللواء 310 يعتبر أقرب وأكبر احتياطي لها.. ومهما كان فإن مقارنة السلاح ونوعيته بين الفرقة الأولى مدرع والجيش المؤيد لها في صنعاء وعمران من جهة وبين قوات الحرس الجمهوري في صنعاء (أمانة ومحافظة) فإن ميزان تفوق السلاح هو لصالح الرئيس بلا نقاش.. لكن هناك عنصراً آخر يتفوق فيه خصومه؛ المقاتلين.. فإلى جنود الفرقة واللواء 310، تشكل القبائل المحيطة بصنعاء جيشاً «برانياً» سيقاتل لصالح علي محسن، وهي بدأت تقاتل في نهم وأرحب.. هذا لا يعني أن شعبية الرئيس في هذه المناطق ضعيفة، ولكن هي أقرب إلى «شعبية انتخابية».
 

* لقراءة الجزء الثاني من هذه المادة، اضغط هنا

طباعة
جميع الحقوق محفوظة لدى موقع المصدر أونلاين 2017