ما علاقة سيوف "الساموراي" باستكشاف الفضاء؟

ما علاقة سيوف "الساموراي" باستكشاف الفضاء؟

هل فكرت يوماً في الأدوات التي يتعين عليك الاستعانة بها إذا أردت تقطيع شيء ما في الفضاء؟

ربما ستضع على قائمتك في هذا الشأن سيوف المحاربين القدماء في اليابان المعروفين باسم "الساموراي"، والتي صُنِّعَتْ على مدار قرونٍ.

فنوع الفولاذ الذي صُنعِتْ منه تلك السيوف معروفٌ بصلابته على نحوٍ ملحوظ. وعلى شبكة الإنترنت، هناك عدد كبير من المقاطع المصورة التي تُظهر هذه السيوف اليابانية المعروفة باسم "كاتانا"، وهي تقطع أي شيء من الألواح الخشبية السميكة وحتى الأنابيب المعدنية.

الآن، يتعاون ثلاثة مهندسين مع خبيرٍ يابانيٍ في صنع هذه السيوف، لتصميم جهازٍ لجمع عيناتٍ من الصخور، مصنوع من الفولاذ نفسه المُستخدم في تلك الأسلحة البتارة. ويخطط هؤلاء لاستخدام ذلك الجهاز على سطح أحد الكويكبات.

ويحمل الكويكب المعني اسم "ريوغو"، وهو جرمٌ لا يزيد عرضه عن كيلومترٍ واحد، ويدور حول الشمس في مسارٍ يقع بين الأرض والمريخ. وقد أُرْسِلَ إليه في إطار مهمة "هايابوسا" اليابانية الفضائية؛ سفينة فضاء وعربات استكشاف فضائيةٍ، وأدوات لجمع العينات.

وقد أرسلت مركبة "هايابوسا 2" الاستكشافية مؤخراً إلى الأرض صوراً مذهلةً ورائعةً للسطح الصخري ذي اللون الأسود لهذا الكويكب. لكن جلب شظايا منه إلى كوكبنا يُشكل مهمة شاقة للغاية، وهو ما حدا بالبعض لاقتراح أفكار جديدة وغير مألوفة بشأن كيفية تحقيق هذا الهدف.

وفي ورقة بحثية تسرد تفصيلاً التجارب المبكرة في هذا الصدد، شرح الفريق - الذي يضم غينروكرو ماتسوناغا وهو صانع سيوف في السبعين من العمر وتايكو واتانابي من معهد كاناغاوا للتكنولوجيا - كيف تم صنع العديد من أدوات ثقب الصخور باستخدام تركيبات معدنية مختلفة ومتنوعة.

وتضمنت هذه الأدوات نوع من المعادن التقليدية يحمل اسم الـ "تاماهاغاني" ويتألف من الفحم والرمل الحديدي، وهو ذاك الذي يُستخدم في صنع السيوف اليابانية.

وقال معدو هذه الورقة البحثية إنهم استعاروا التقنيات المستخدمة في صنع السيوف اليابانية التقليدية، لتصنيع عينات من أدوات الثقب.

ولهذا الغرض، استخدم ماتسوناغا كمياتٍ من الرمل الحديدي أخذها من أحد شواطئ اليابان، وصهرها وحسّن مستوى صلابتها ومرونتها عبر تسخينها إلى درجات حرارة عالية ومن ثم تبريدها بسرعة شديدة لعدة مرات.

ونتج عن ذلك تصنيع أدوات ثقب صغيرة الحجم وأسطوانية الشكل، ذات حواف حادة كالشفرة تتجه إلى الداخل.

ولا تتمثل طريقة عمل هذه الأدوات - كما قد يحسب البعض - في ضرب الكويكب بعنف بنصل المثقاب وكأنه سيفٌ حقيقيٌ.

فبالرغم من أن هذا قد يبدو مشهداً مُحبباً، فإنه عديم النفع من الوجهة العملية. وبدلاً من ذلك من المفترض أن يتم إطلاق أداة الثقب تلك بسرعةٍ هائلةٍ صوب السطح الصخري للجرم الفضائي. فمن الوجهة النظرية سيؤدي ذلك إلى ثقب سطح الكويكب والسماح بأخذ العينة من تربته.

ويمكن بعد ذلك سحب المثقاب والعينة الموجودة تحت طرفه الحاد القاطع، إلى المركبة الفضائية الأم عبر حبلٍ يصل بينهما.

لكن المسألة لا تبدو بهذه السهولة على الصعيد العملي، فقد سبق أن تبين عبر مهمةٍ قامت بها السفينة "هايابوسا" في عام 2005، كم كان صعباً أن يتم أخذ عينة كبيرة من صخور أي كويكب.

فقد أخفق العلماء في إجراء محاولتين في هذا الشأن، رغم أنه جرى في النهاية تجميع كميةٍ محدودةٍ من الغبار والأتربة في عُلبة. في نهاية المطاف، جُلِبَتْ 1500 حُبيبة من هذه الأتربة إلى الأرض.

لكن من المفترض أن يكون بمقدور أي أداةٍ لجمع عينات من الكويكبات أن تجمع كميةً أكبر من ذلك بكثير، كما يتعين أن يكون بوسعها التوغل إلى بعد أعمق من مجرد أخذ العينة من على السطح الصخري لهذه الأجرام.

ويعود ذلك إلى أن سطح أي كويكب يتعرض لعوامل تعريةٍ على مدار ملايين السنين، بفعل الأشعة الكونية والأشعة فوق البنفسجية وكذلك الأشعة السينية القادمة من الشمس.

وفي هذا الإطار، يقول مارتن إلفيس من مركز هارفارد- سميثونيان للفيزياء الفلكية: "من الواضح أنه كان سيصبح من شأن تربة أي كويكب أن تُطلعنا على المزيد حول تاريخ النظام الشمسي، إذا كان بمقدورنا الحصول على عينةٍ من مستوى أعمق تحت الصخور، لكي يتسنى لنا النظر في الصخور البكر التي لم تتعرض لتأثيراتٍ أو عوامل تعرية".

المشكلة أنه ليس من اليسير الحصول حتى على عينة من على سطح الكويكب أو من مستوى قريبٍ من سطحه، وذلك بسبب خاصيتيْن أساسيتيْن تتسم بهما الكويكبات، ألا وهي صغرها من جهة وافتقارها لقوة سحبٍ قويةٍ مُستمدةٍ من الجاذبية من جهةٍ أخرى.

ويقول إلفيس: " من شأن اللجوء إلى أي شيءٍ يسمح لك باستخدام قوةٍ أقل لتقطيع (أجزاء من) سطح الكويكب مثل صلب `تاماهاغاني` هذا، أن يساعد" في تحقيق ذلك الهدف.

من جهة أخرى، فرغم أنك قد تَحْسَبْ أن الكويكبات ما هي إلا صخور ضخمةٌ تمر في الفضاء، فإنها غالباً ما تكون في حقيقة الأمر أقرب إلى أكوامٍ من الحصى والركام لتجمعات من الصخور، وهي التجمعات التي قد تتسم بعدم الاستقرار الشديد.

إذن فلتتصور مدى الصعوبة التي تكتنف محاولتك الحصول على عينة منها في أجواء تنعدم فيها الجاذبية تقريباً.

وتقول ميكا ماكينُن، وهي باحثةٌ مستقلةٌ في مجال الكوارث والجيوفيزياء، إننا كبشر لم نقترب في واقع الأمر من الكويكبات سوى لمراتٍ نادرةٍ للغاية، ناهيك عن أن نحلل المواد التي تتكون منها بشكلٍ مباشرٍ، وهو ما يعني أنه لا يمكن لأحدٍ أن يكون واثقاً تماماً مما يمكن أن نجده حينما نكشف النقاب عن الطبيعة الحقيقية لتلك الأجرام.

وفي إشارةٍ إلى الاحتمالات المختلفة التي قد تحدث في هذه الحالة، تقول ماكينُن إن الأمر قد يصل إلى حد العثور على ثلجٍ ممزوج بباقي مكونات الكويكب، وهو ما يعني أن المرء قد يُباغت بانفجارٍ بسبب تحول هذا الثلج إلى غازٍ حال ارتفاع درجة ذلك الجسم الفضائي.

وحتى الآن اقتصرت تجارب الفريق الياباني على اختبار بعض من أدوات الثقب التي قاموا بتصنيعها، من خلال إسقاطها إلى أسفل عبر أنبوبٍ طويلٍ باتجاه لوحٍ خرسانيٍ يقبع أسفل درج طويل بدوره.

وقد نجحت تلك المعدات في الحصول على بعض العينات من الخرسانة، ولكنها أسقطتها أحياناً لدى سحبها من قبل الباحثين واستعادتها إلى أعلى.

وقال الفريق في ورقته البحثية في هذا الشأن: "ثمة حاجةٌ إلى ابتكار آليةٍ تحول دون سقوط العينات خلال عمليتيْ الحصول عليها واستعادتها". بجانب ذلك، لم يتم اختبار أدوات الثقب المصنوعة من صلب الـ "تاماهاغاني"، نظراً لأنها مكلفةٌ للغاية.

ومع ذلك، فإن ما يجري في اليابان يمثل الخطوات الأولى باتجاه تصنيع أدوات جمع عينات تعتمد على تقنية ومواد تدخل في صنع السيوف اليابانية التقليدية، وإطلاقها في رحلات إلى الفضاء.

ولكن هل هذا النوع من المعادن هو الأفضل للقيام بمهمة جمع العينات من الكويكبات أم لا؟

ماكينُن غير متيقنة من ذلك، لكنها تشير إلى أن الجاذبية الكامنة في مثل هذا المعدن ذي الأهمية الثقافية تمثل أمراً لا يتعين تجاهله، قائلةً "إننا نخلق - بإرسالنا عناصر ذات صبغةٍ إنسانيةٍ مع مركبتنا الفضائية - روابط مع تلك السفن التي تذهب (إلى مثل هذه المهام) بالنيابة عنّا".

وربما يمثل ذلك القيمة الحقيقية للـ "تاماهاغاني"، أي كونه يُشكِل رابطاً إنسانياً للغاية، بيننا نحن هنا على الأرض والكويكبات التي قد يحصل ذلك النوع من الصلب على عينةٍ منها في يومٍ ما.

وهكذا، فمن شأن أداةٍ كتلك مصنوعةٍ من المعادن التي تتألف منها سيوف الساموراي؛ وتخترق غياهب نظامنا الشمسي، الربط بين ماضي اليابان ومستقبلها.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك