الشاعر الثائر

نحتاج بين الحين والآخر ليوم غواية، شغف محموم بين دواوين الشعر، دون خشية مقاطعة أو ازدحام أهوج لساحاته ومجالسه، لحظات خاصة فقط بأولئك الذين أطلق عليهم جوراً "شعراء الجاهلية" نسبة لعصرهم، فأين الجاهلية من عبقريتهم ونبوغهم؟!

يدعُونَ " عنترُ " والرّماحُ كأنّها .. أشطانُ بئر في لبَان الأدهمِ..

مثل هذه الليلة المقمرة تستحق السفر لمضارب بني عبس والاقتراب من خيمة فارسها عنترة بن شداد التي قضى فيها جزءً غير يسير من حياته بعبودية لا تختلف عما تعانية مدينتي المحاصرة بالقضبان، على الرغم من سهولة ألفاظ شعر الأخ عنترة إلا أني وضعت القاموس جواري، من باب الحيطة والاحتراز وقد تذكرت حيرتي إزاء ما قاله امرؤ القيس قبل مماته: "رب جفنة مثعنجرة وطعنة مسحنفرة وخطبة محبرة،، تبقى غداً بأنقرة!!".

لمن لا يعرف: ابتدأت العبودية في التاريخ البشري مبكراً، واعتبرت تحولاً ايجابياً في تاريخ التطور الأخلاقي الإنساني، بعد إن استبدل الإنسان قتل الخصم وأكل لحمه إلى محطات استرقاق تتبدل عبر الزمن من شكل لآخر..

كان الشاعر "عنترة بن شداد" عبداً ضمن سياق تعريف العبيد في العصر الجاهلي للجزيرة العربية: "متاع، كائن يعامل (كشيء) يبيعه صاحبه وسيده متى شاء، يرهنه وفاءً لدين أو لعله ينهي حياته إن عاد عليه موته بالفائدة"، لذلك قد نصاب بالدهشة حين نقرأ لعبد سابق مثل هذه الأبيات المكتظة بالقوة الحكيمة التي لم يكن بحاجة لها في مهام يومه المجهدة..

حكّمْ سيُوفَكَ في رقابِ العُذَّل،،

واذا نزلتْ بدار ذلَّ فارحل

وإذا بُليتَ بظالمٍ كُنْ ظالماً،،

واذا لقيت ذوي الجهالة ِ فاجهل..

اكملت ترديد القصيدة بدهشة مسموعة التقطت أذناي كل حروفها، ببطئ مضغ قطع حلوى تخشى انتهاءها:

وإذا الجبانُ نهاكَ يوْمَ كريهة،،

خوفاً عليكَ من ازدحام الجحفل

فاعْصِ مقالَتهُ ولا تَحْفلْ بها،،

واقْدِمْ إذا حَقَّ اللِّقا في الأَوَّل

واختَرْ لِنَفْسِكَ منْزلاً تعْلو به،،

أَوْ مُتْ كريماً تَحْتَ ظلِّ القَسْطَل!!..

تشعرك قصيدة عنترة بقسوة السينما العربية التي فرضت علينا محاكاة الفنان الكبير "فريد شوقي" رحمه الله لدور عنتر بن شداد. رغم لطافة الفيلم القديم، والمواقف الطريفة لشيبوب، إلا أنه كان مأساة لمتذوقي الشعر والتاريخ، وقد وجد المخرج أن تقمص روح الشاعر ستبرز من خلال طلاء أسود على وجه البطل وستتجلى بمعالجة سطحية لقصة حب ساذجة، لا أبعاد حقيقية لمعاناة الشاعر فيها..

هل كانت مشاعر عنترة تجاة عبلة مجرد حب عذري لابنة عمة التي رفض والدها تزويجه أياها، أم أنها معركة وجودية بين ثورة فارس حقيقية ونفسه الخانعة؟!. أنت أمام شخصٍ تربى على تقديس العبودية، والرضا بها كجزء عزيز في نفسه وقد تجسدت أمامه بوالدته التي دفع ثمنها في سوق النخاسة، وبين دهشة حرية تذوقها متاخراً بعد أن استدعي لإنقاذ قبيلته!!

لم يدرك لحظتها المكانة التي منحتها له قوته الجسدية وحسب، بل شعر بقوة أخرى كامنة في قلبه، حين اكتشف الإمكانية المتاحة للعبيد بالعشق كأسيادهم تماماً، لن يغفل القارىء عن ملاحظة الارتباط الوثيق بين عبلة و "سيفه البارق كثغرها المتبسم" !..

من خلال مقارنة وضع عنترة في العصر الجاهلي وما أراه في العالم "المتحضر"، أعتقد أن زملاء عنترة من العبيد كانوا أول من أنكر ثورة رفيقهم وصراعه مع نفسه، فالبعض يعشق العبودية، وإن اختفت من أدراج أسياده صكوكها الصدئة وحروزها، تعرف هذه الوجوه العاشقة للقيود من سيمائهم، من بحثهم الدؤوب عن طاعة صاغرة، إن اختفى سيدهم المختار اليوم سيجدون غيره في الغد، عبودية البعض "عقلية"، تفضل يقيناً عجائزياً جنائزياً على إعمال عقولهم، وكأنهم يخشون خوض الحياة منفردين، ناقصي الأهلية بلا توجيهات وأوامر!!

تساءلت وأنا في خضم صراعات الثائر، كأي يمني يحترم عاداته "التي تدعو للشفقة"، عن أصل عنترة واسم عائلته، وإن كانت قبيلته تنتمي لأصول يمنية، لكني لم أكد أنادي محرك البحث "جوجل "، حتى فوجئت ببعض أبيات الشعر تنتزع نفسها من على سطح القصيدة، لتقف أمامي متقمصة دور عنترة  عاقداً حاجبيه مغضب الجبين وقد تحركت كفه صوب مقبض سيفه المعلق وهو يهتف بحنق:

إنْ كُنْتُ في عددِ العبيدِ فَهمَّتي،،

فوق الثريا والسماكِ الأعزل،،

أو أنكرتْ فرسانُ عبسٍ نسبتي،،

فسنان رمحي والحسام يقرُّ لي

وبذابلي ومهندي نلتُ العلاَ،،

لا بالقرابة ِ والعديدِ الأَجزل!!

مخطىءٌ من يعتقد أن الشعر والأدب مجرد وسيلة ترفية نقضي بها أوقات فراغنا، نزهة نتابع من خلالها قصص مسلية. حين تتجول بين أبيات شاعر ما، لا تردد ما قيل على طرف لسانه أو قلبه، بل تسير على أرضه، تشتم رائحة أيامه، ترث جزءً من معاناته عاش تفاصيلها، من أنا لأجادل إرادة عنتر التي غيرت نسبه في غمضة عين، ما بين ميلاد بيت شعر وانتهائه خلع عنه أوراق هوية القبيلة_ التي أنكرت نسب لونه_  واستبدلها بالرماح والحسام كشاهدي تعريف مناسبين له..

لم يكن الأمر بسهولة ترديد الشعر فأنت أمام مجتمع عنصري، يتفاخر فيه أفراد القبائل بحسبهم ونسبهم الذي يفتقده، يرى ذلك في نظرتهم لبشرته السوداء، ويسمعها عبر "زواملهم وعنترياتهم"، لعل القسوة في بعض أبياته لم تكن موجهة لعدوه وحسب بل كانت إعلان ثورة وانتقام على عنصرية مجتمعيه بتهديد غير مباشرة وهو يقول:

ولقد نكبت بني حريقة َ نكبة ً،،

لما طعنتُ صميم قلب الأخيل

وقتلْتُ فارسَهُمْ ربيعة َ عَنْوَة ً،،

والهيْذُبانَ وجابرَ بْنَ مُهلهل

وابنى ربيعة َوالحريسَ ومالكا،،

والزّبْرِقانُ غدا طريحَ الجَنْدل..

كان السيف والدماء الحية المتساقطة من حروفه السلاح الأقسى والأمثل لرهان قبول المجتمع بلونه الأسمر، فما زال يحمل عقدته الأزلية التي لا أعلم يقينا عدد السنوات التي سرقت من عمره وهو يصارعها حتى تغلب عليها، وصفع قبيلته بسن قانون جديد، رفع به من شأن "والدته" التي لم تكن لائقة بالشكل المناسب لمواصفات جاهلية ذلك العصر، وراح بكل امتنان يصف الجسد الذي قبل به دون أن يرفع له حد السخرية والعنصرية:

وأَنا ابْنُ سوْداءِ الجبين كأَنَّها،،

ضَبُعٌ تَرعْرَع في رُسومِ المنْزل

الساق منها مثلُ ساق نعامة ٍ،،

والشَّعرُ منها مثْلُ حَبِّ الفُلْفُل

والثغر من تحتِ اللثام كأنه،،

برْقٌ تلأْلأْ في الظّلامَ المُسدَل..

لم يطلق " لفظة الجاهلية " على ذلك العصر مجازاً، المفارقة أن شيئاً لم يتغير على مدى القرون التي تفصلنا عن الشاعر، وكأن عجلات الزمن عادت للوراء، وعدنا لعصر أشد جهلا وقسوة، فحين تكون لوحة شجرة سلالة معلقة على صدر مجتمع هي الوسيلة الوحيدة للتباهي والتفاخر فاعلم أنك غارق حتى اذنيك في جاهلية صفراء مقيتة، وما يثير السخرية فعلا بأن شرط قبولك الوحيد للحياة في "الجاهلية المعاصرة" هي امتثال وطاعة لعبودية أقسى من تلك التي عانى منها عنترة بن شداد!

أنت عبد، لا تمت لعنترة بصلة، ولن تثأر لأرضك "سويداء الجبين" كالثائر الأول، لا تستطيع إخفاء أنك "زنبيل " على نفسك أو مجتمعك، وإن استيقظت يوماً وقد أصابتك حالة غثيان من نفسك حاول اسيعاب وحفظ ما أنتهت به القصيدة:

لا تسقيني ماءَ الحياة ِ بذلة ٍ،،

بل فاسقني بالعزَّ كاس الحنظل

ماءُ الحياة ِ بذلة ٍ كجهنم،،

وجهنم بالعزَّ أطيبُ منزل..


* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


تابعنا على فيسبوك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية