11 فبراير ورهان الثورة المضادة

إن ثورة فبراير مثل كُلِ ثورة في العالم يطالب فيها شعبٌ بحقوقه ويسترجع فيها الشعب إرادته المسلوبة وكرامته المنتهكة وشأن اليمني فيها شأن بقية إخوته من العرب يجمعهم قاسمٌ مشتركٌ واحد وهو نوعية الظلم والتهميش الطائل بثقله على واقعهم المرير المؤلم.


كان انفجارُ ثوراتِ الربيع العربي بما فيها ثورة فبراير نتيجةً طبيعية نجمتْ عن الجمود المتكامل في المجتمع وهي رد فعلٍ عكسي على لتخلف والركودِ في عالم يعج بالازدهار والتطور. 


فالعربي أصبح يدرك حجم اللاجدوى من الإستمرار في منحدر ِواقع ما بعد الاستعمار، ذلك الواقع الذي عملتْ أنظمة الإستبداد على تكريسه مستمدةً إمكانياتها من صمت العربي ومن تمكين دول الإمبريالية لها وبعد أن ادركتْ الشعوب مغبةَ صمتِها كان الحل الوحيد هو الثورة فهي الملاذُ المنجي للذوات المهمشة وهي الخيارُ المنقذ للوجود العربي فجاءت الثورة, وكان أعظم مكسبٍ فيها هو سلميتها لأن السلمية أربكتْ الانظمة العائلية فقد حطمتْ لديهم ذريعة تصديهم لخراب الوطن وفقاً لنظرية المؤامرة لديهم.لنخصص الكلام أكثر حول ثورة فبراير ومكاسبها والمنعطفات التي مرتْ فيها ودور أطراف الثورة المضادة في إجهاض الأهداف المرجوة من الثورة.


إن من أهم مكاسب ثورة فبراير وبقية ثورات الربيع العربي أنها كسرتْ الصمت الشعبوي وأشعلت الحماسة في الشعب لخلق واقعٍ جديد من خلال القضاء على أنظمة دويلات ما بعد الاستعمار وبناء دولة مدنية حديثة تلبي تطلعات الواقع وتوفر الحياة الكريمة لمواطنيها وقد يقول القائل إن وهج الثورة قد انطفأ وإن صوتها قد صادرته سطوة الثورة المضادة ! 


لكن الحقيقة تكمن في أن الشعب لايزال في ثورة مستمرة وأن الشعب لايزال يناضل ويكافح مثلما كافح لإسقاط نظام عفاش في انطلاقة ِالربيع إنه لايزال في كفاح مستمر ضد أطراف الثورة المضادة.


ومن مكاسب ثورة فبراير أيضاً أنها كانت العامل الأهم والرئيس في تفكيك المنظومة العائلية الحاكمة وإن لم تتمكن من القضاء التام والمباشر عليها فقد منحت العوامل المتداخلة الفرصة لإضعاف نظام صالح ومن ثم اندثاره وتهاويه من خلال كونها المؤثر المباشر في صياغة بنود المبادرة الخليجية وما انبثق عنها من مخرجات الحوار الوطني ونموذج الدولة اليمنية الحديثة، لكن بعض الثغرات القاتلة في المبادرة الخليجية وفي مسار المرحلة الانتقالية منها منح الحصانة لعلي صالح، والقبول بحركة الحوثي ضمن أطراف الثورة السلمية في نفس الوقت الذي يشكلون فيه خطراً محدقاً على السلم الإجتماعي وعلى مؤسسات الدولة.


إضافة الى ذلك أن آلية الهيكلة للجيش لم تكن مبنية على أهداف ثورة فبراير نفسها في بناء مؤسسة عسكرية مستقلة من خلال تعديلات جوهرية في الجيش الوطني، وإنما تضمنت الهيكلة أخطاءً فادحة نتج عنها تهميش الجيش الوطني، ومن هذه الاخطاء تعيين وزير للدفاع غير أهل لمنصبه باع الجيش الوطني للإمارات وكانت تعمل حينها مع نظام المخلوع في إطار صراعها مع تيار الاسلام السياسي. 


تلك الثغرات والأخطاء مكنت الثورة المضادة من حرف مسار الثورة إلى فوضى وإحداث خلل في البُنية الاجتماعية والتركيبة الإنتقالية، وهذا مامكن المخلوع من تحالفه مع حركة الحوثي والانقضاض على مؤسسات الدولة وإغراق البلاد في دوامة حرب لم نتخلص من عنفوانها بعد.


فمنذ الوهلة الاولى لإنضمام الحوثيين لثورة فبراير ونصبِ خيامهم إلى جانب شباب الثورة كان لهم سلوك شاذ عن بقية التكوينات الثورية، وكان لهم طريقتهم في الثورة التي فهم الجميع أنها ليست سوى آلية انتشار للحركة وتوسيع نفوذها في المجتمع من خلال اندراجها ضمن التكوينات الثورية كي تكسب المظلومية التأريخية في المجتمع بحكم الحروب الستة في صعدة خلال حكم عفاش، لكن الحقيقة واضحة إذ أن هدف الحروب الستة كان لغرض التخلص من الجيش الوطني لصالح جيش العائلة (ما كان يسمى الحرس الجمهوري) من خلال إنهاك الجيش الوطني بحروب اتضحت ألاعيبها وتكررت أساليب المكر فيها ودخلت حركة الحوثي الثورة دخول متربصٍ وانتهجت نهجاً متبايناً الى حدٍ كبير مع بقية التكوينات الثورية وظهرت على حقيقتها عندما بدأت تهاجم الجيش في صعدة وعمران.


وبرزت رغبتها في إفشال مخرجات الحوار الوطني والاستفتاء على دستور الدولة الإتحادية وانخرطت في تحالفٍ مع صالح في شكل يظهره عاملاً رئيسياً في وجود الحركة كورقة تهديد يستفز بها محيطه الخليجي ويصفي من خلالها خصومه في الداخل وامتزجت رغبة الحليفين في القضاء على ثورة فبراير ووأد مشروع الدولة المدنية الإتحادية، فانطلقوا يعبثون بالوطن ويذكون المناطقية معلنين حربهم على الشعب وعلى مقدراته في أبجح غطرسة للثورة المضادة.


وبشنيع ما ارتكبوه فإنهم المسؤلون عن مآلات الصراع وهم السبب الأساسي في التدخل العسكري الإقليمي في الصراع وإغراق البلاد في تبعات صراع اتحدت رغبات التحالف والانقلابيين على عدم حسمه فالكل يريد أن يكسب أكثر، والكل وإن تباينت انتماءاتهم فهناك رغبة مشتركة منهم في القضاء على مشروع اليمن الاتحادي.


إن حركة الحوثي وتحالفها البغيض مع نظام المخلوع هي السبب الرئيس في إرباك المشهد الانتقالي والزج بالوطن في تداخلات الصراع الداخلي والإقليمي معاً، وأصبح الوطن مثقلاً بالفوضى موثقاً بالمعاناة فمن تدخل لإنقاذه، من بطش السلالية الحوثية، لم يحسم الصراع ويرغب في تصفية حساباته الإقليمية وتحقيق مكاسبه من خلال إطالة أمد الصراع، ومن جهة أخرى تبقى الشرعية لها دور مهم في إطالة المعاناة واستمرار الفوضى لأنها لم تقم بدور المسؤول عن الشعب ومقدراته وحماية مكتسبات ثورته على أكمل وجه ومنحتْ بعض الأطراف الداخلية، المناوئة للمشروع الوطني، الفرصة لخلط الأوراق واللعب على وتيرة الفوضى لخلق واقع ترغب المليشيات السلالية بوجوده كما ترغب به النزعة المستبدة لبعض أطراف التحالف.


ونحن في الذكرى الثامنة لثورة فبراير يجب أن نقف إجلالاً لأولئك الشهداء الذين كان لهم السبق والخطوة الاولى في هز النظام العائلي المستبد، كما أنه حريٌ بنا أن نتفقد الثورة ومآلات الصراع المرهق الذي يعصف بوطننا أرضاً وشعباً وأن نحافظ على وهج الثورة كي لا يخبو في دوامة العنف المتعدد الأطراف والمآرب كي نجدد عهدنا وولاءنا لله في خدمة الوطن ومقارعة الظلم والاستبداد مهما تعددت أوجهه واختلفت تراكيبه، فالحقيقة الجلية أن هناك شعب له ثورته وإرادته وهناك عدو للشعب قد تتباين عناصره من حيث الطريقة والانتماءات، لكن مضمون العدو واحد وهو أنه يعمل على تهميش الشعب وسلب مقدرته.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك