‏شادر السمك

أن يختتم المخرج فلمه بلقطة يتعرض فيها أحمد زكي لزخات من الرصاص في وسط سوق السمك وهو بكامل أناقته فهذا يعني أنك عشت أحداثاً مع الفلم لا يمكنها أن تفارق خيالك.

‏شادر السمك وهو سوق مركزي للسمك يشبه الى حدٍ كبير (المحوات) حيث يتم فيه البيع بالمزاد.

‏يبهرك احمد زكي للمرة المليون في تجسيد الشخصيات، ها هو يظهر علينا بثياب رثة ويجسد شخصية أحمد العامل البسيط الذي يعمل لدى المعلم سويلم، ‏تبدو عليه ملامح الرجولة والجدعنة والتهور والاندفاع وتمضي شخصيته في تصاعدها الطبيعي هنا يبدو لنا أن أحمد وهو إسم الشخصية التي يجسدها أحمد زكي يبدو لنا كأي غلبان جدع من أولئك الذين مروا في حياتنا.

‏يموت زوج نبيلة عبيد الذي كان له دكان في الشادر، فتضطر لتنزل بنفسها للسوق لتوفر احتياجاتها وابنتها الصغيرة التي تيتمت للتو، ‏تثور ثائرة رجال الشادر فلا يقبلون بوجود (مرة) بينهم ويحاربونها بكل الوسائل.. تتصاعد الشخصية الجدعة التي يجسدها زكي فيقف وقفة رجولية مع الأرملة التي ترفض الإنكسار.

‏يبدآن سوياً في تحدي الجميع ويجدان من يقف إلى جانبهما وفي هذا التحدي تكتمل أمامك شخصية أحمد الجدع لتصل ذروتها، ‏يتزوج من جمالات وهو اسم الشخصية التي تجسدها نبيلة عبيد وتكتمل البهجة ويتصاعد النجاح، إلى هنا كانت الأهداف النبيلة تتحقق والعقبات تتهدم.

‏استعان (احمد) بأهله الذين يشبهون القبيلة في مجتمعنا ليكسر بهم شوكة أعدائه وأعداء زوجته (جمالات)، ‏وحصل توازن في القوى استطاع من خلاله أن يضع قدمين ثابتتين في السوق المسمى "شادر السمك".

‏لن امر على الاحداث بتفاصيلها لكني سأعرج على تصاعد تفاعل الشخصية التي جسدها زكي.. ‏يذهب في زيارة لشخص من الطبقة الراقية رفقة تجار السمك فقد أصبح اسمه المعلم أحمد ابو كامل، وهنا تبدأ شخصية جديدة تماماً في الظهور.

‏ينبهر ابو كامل بالقصر وبالاناقة وبالاتيكيت ومن ثم ينبهر بسوزي ابنة المضيف، يتبرع بمبلغ كبير من المال لحساب الحفلة الخيرية التي أقامتها سوزي، ثم يتغير على جمالات ولم تعد تعجبه، تارة ينتقد مظهرها وتارة ينتقد رائحتها ويختلق الخناقات باستمرار.

‏ثم يذهب إلى سوزي (لهطة القشطة) التي تستنزف موارده بالهدايا باهضة الثمن، تذكرت هنا المثل اليمني (من عشقت الكبارات وفت باخراصها)، ‏يتحكم أبو كامل بسوق السمك ويصبح هو المورد الأول للأسماك ثم يضيق الخناق على بقية التجار حتى أصبح الشادر ودكاكينه خالية من أي سمكة.

‏صرخت في وجهه جمالات: أنت تفتح على نفسك أبواب جهنم انت تحارب الجميع، لكن الغرور قد وصل به الى الذروة.

‏حاول التجار الجلوس معه فوضع لهم شروطاً اذلالية لا تعجيزية، من بينهم من هم من أبناء قريته أولئك الذين وقفوا معه يوم كان ضعيفاً مكسوراً.. أخرجهم جميعاً مكسوري الخاطر وعليهم علامات قهر الرجال.
هل تتخيل كيف أصبحت الشخصية الآن؟ بعد أن كان الغلبان الجدع يتحول الى غول متغطرس كل هذا يجسده أحمد زكي أبدع تجسيد، تنكر لجمالات وتنكر لأهل قريته الذين وقفوا معه، ووصل إلى قمة غطرسته.

‏وكأن سوزي والمجتمع الجديد الذي دخل إليه بكل تهور واندفاع قد غير من شخصيته وجعله شخصاً آخر، هل لهذا المجتمع شروط؟ أن تكون أنانياً ومتغطرساً أم أنه اعتقد أن هذه هي شروط الطبقة الراقية فطبقها بحذافيرها!

‏لم يستمع لجمالات التي حذرته من محاربة الناس في أرزاقهم.. طلقها وتزوج سوزي.. عادت جمالات إلى العمل ثانية في السوق، وهنا تعود بنا القصة إلى بدايتها؛ جمالات بعد أن كانت أرملة تحاول أن تعول نفسها وابنتها أصبحت الآن مطلقة وطليقها هو الذي يحتكر السوق بعد أن صعد على أكتافها.

‏تبهرك نبيلة عبيد بتجسيد القوة والعناد في شخصية جمالات بعد أن أبهرتك بتجسيد الضعف والانكسار والحب والوفاء.. ‏قلت سابقاً إن العملاقين زكي ونبيلة حيث يجتمعان تكون الروعة والإبداع.

أاصبح ابو كامل عدواً للجميع ولكنه قبل أن يفعل اصبح عدواً لنفسه، ‏ينتهي الفلم بلقطة مقتله وهو يفتح دكانه وقد اجتمعت الرشاشات من كل تجار السمك بمن فيهم أبناء قريته.


وهكذا تجد نفسك فاغراً فيك وأنت ترى أهم وابدع الدروس التي لا يمكن لآلاف الكلمات أن تعلمك إياها، لولا جمال القصة وتجسيدها لما استطاع أحد تحمل كمية الكوارث الفنية من تسجيل الصوت والصورة، لكنهما احمد زكي ونبيلة عبيد يا سادة.



شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك