أيام في معتقل الصالح (2).. ثلاث زنازن خلال 28 ساعة

الجمعة 22 يونيو 2018.. كان اليوم الثاني لي في الزنزانة 33.. بعد نزولي من التحقيق، حاولت النوم في إحدى الغرف بعد صلاة الفجر..
لا نظام محددا هنا للنوم، ومن يتحسس من الضوضاء والحركة فعليه أن يجن أو يتأقلم.


الزنازن لا تنام، بل يتناوب أفرادها النوم لتبقى حية متحفزة متيقظة تنتظر خبراً مبهجاً لأحدهم يتوقعه جميعهم مع كل طرقة باب.

على البلاط


نمت على البلاط، وتوسدت حذائي داخل كيس ووضعت فوقها شميزي وتغطيت بالمعوز، ولم يكن لدي ملابس غيرها.
نمت عميقاً واستيقظت عند العاشرة تقريباً.. كان موعد تعبئة الماء بواسطة أنبوب طويل يتدلى من السطح ويمر على الزنازين.. يقوم المعتقلون بتعبئة العبوات البلاستيكية المرنة والشفافة التي تقدمها اليونيسيف وكان يبدو أن طبقات الأتربة المترسبة على العبوات قد أذهبت شفافيتها.
وفي ذات الوقت تستغل الفرصة لتصفية أرضية الزنزانة كاملة بالماء إنقاذا للصحة، إذ التخاذل عن أمر كهذا يوماً ربما يعني أن تحتل جسمك الكتن والقمل وتحرمك نومك وراحتك.

جمعة المعتقلين.. 


حان وقت الجمعة.. قام شاب من منطقة "أساودة ماوية" خطيباً، وهو الذي اعتقل قبل أن يكمل شهراً على زفافه.. قال إنه ليس بخطيب ولكنها الضرورة فوعظ عن الصبر والاحتساب والدعاء وعدم السخرية من بعضنا، وجميعها نصائح موجودة بخط واضح في أحد جدران الزنزانة الداخلية .. كان المؤذن شاباً ملتحٍ فارع الطول اسمه رياض كما أتذكر ينحدر من عدن أو أبين، وكان مؤذناً في أحد مساجدها وأظنه اعتقل أثناء زيارة أقارب له في إب.


صلينا وتغدينا غداء زدناه من صرفتنا الخاصة، ثم جلسنا في مقيل قات، وكان لدينا أحد الفنانين من المختلين عقلياً يدق لحن العود بلسانه ويحرك يده في الهواء يغني لمن تريد، يحفظ كلمة ويبتلع عشراً. وأن يغني لك ويطربك، أحدهم في السجن بأي شكل فذلك أفضل بكثير من حفلة صاخبة في أجواء الحرية.

في الزنزانة 34 


انتقلت لاحقاً مع آخرين من الذين تم التحقيق معهم سابقاً من الزنزانة 33 إلى 34 التي انتقل منها الذين لم يحققوا معهم في عملية فصل بين الصنفين.. ولأن الزنزانتين متقابلتان فقد كان المعتقلون يعرفون بعضهم من نافذة الزنزانتين، تعانق المعتقلون مع أصدقائهم في الزنزانة التي قدمنا إليها كأنهم إخوة قدموا من غربة بعيدة.


 لم أتمكن من التعرف كثيراً على "زملاء" الزنزانة 34، وهم لا يختلفون عن المكظومين في 33.. وهذه الزنازين هي من فئة "الضغاطة" مغلقة النوافذ بالحجارة باستثناء فتحة بحجم الكف، ومع ذلك فقد كان المعتقلون هناك يظنون أن "الضغاطة" هي أخرى بلا منفذ للهواء مطلقاً إذ كانوا يتوعدونهم لأي سبب لنقلهم إلى"الضغاطة"، دون أن يدركوا أنها هي ذاتها التي يعتقلون فيها.

عاقل وطلبات 


وفي كل زنزانة عاقل يتولى استلام الأكل وتسجيل طلبات المعتقلين من السوق.. في الزنزانة 33 كان عبدالسلام الحجوري فك الله أسره إن كان لازال كذلك، وفي 34 شاب مهذب اسمه وليد كان يعمل في ثلاجة "القائد" بمفرق ماوية. 
ودفعنا الفلوس ليقوم بدوره بتسليمها إلى المراسل مشفوعة بقائمة الطلبات.. 


تاتي الطلبات بسعر زائد بعض الشيء لكنه يبقى مقبولاً، فهي خدمة تنقذك من رداءة الطعام غالباً، إضافة لبعض القات الذي يصل بأسعار خيالية ونوعية رديئة أوراقا متيبسة لم تكن تباع في الأسواق خصوصاً أننا في باكورة الصيف كأنه ذروة الغلاء الفاحش شتاءً.

إلى التحقيق مجددا

منتصف ليل الجمعة استدعاني المحقق مرة ثانية (لم أدون بعد تفاصيل التحقيق الذي سأضيفه في حلقة منفصلة) ليسألني المحقق ما إذا كان لدي ما تذكرته لأضيفه إلى تحقيقات الليلة الماضية.. 
قلت له اسال وسأجيب.. قال تعرف القنوات والفيسبوك شغالين قرعة علينا عاملين ضجة بسببك.. 
قلت له طبيعي لو أبلغتموني كنت سآتي إليكم باتصال ما كان وقع شي ولن يتكلم أحد.


كان متحوثة البلاد أبلغوا أقاربي أني اعتقلت في قضية خاصة ليس من مصلحتي النشر فجعلوهم يشتغلون كشرطي رقابة على كل من يكتب خبراً أو منشوراً متضامناً مع الضحية ليستروا بذلك جرم الجلاد.
سال تقدر تقلي من هم اللي كتبوا والقنوات اللي تحدثت عنك، فأجبته، كيف ساعرف وانا في "الضغاطة" مافيش حتى ضوء.. 


ضحك المحقق من إجابتي وقال مسرع عرفت "الضغاطة" قل لي كم قد جمعت قصص سجناء وكيف السجن.. 
أجبته باني للتو دخلت الزنزانة وبالكاد تعرفت على بعض الأسماء، وبالنسبة للسجن يعني مش مثلما كنت أتوقع (دون أن أوضح) .. 
ربما كان من حسن حظي أن وقعت مع محقق مهذب إلى حد كبير، تعامل معي باحترام غالباً وهو ما سمعته من آخرين، رغم بعض التلويحات بعقوبة الاعدام بتهمة التخابر مع دولة أجنبية، ورغم بعض النقاش الحاد أحياناً.
بعدها قال لي، خلاص انا سارفع ملفك للقيادة يشوفوا وإن شاء الله يومين ثلاث يوقع خير.. لكن الآن بانقلك مكان ثاني ترتاح فيه وتفتهن احسن.. ونادى المراسل أن يأخذني إلى البدروم.

البدروم ليس "ضغاطة" 


ثارت لدي مخاوف الانتقال الى الضغاطة الحقيقية عديمة المنافذ والتهوية التامة.
وبالفعل خرجت من غرفة المحقق، وكنت قد بصمت مغمض العينين، على مجموعة أوراق اخبرني المحقق أنها أقوالي وأبعدوا "المشدة" عن عيوني وانزلوني "البدروم".. 


كان عبارة عن شقتين ملتصقتين بلا أبواب أو قواطع، إحداهما شقة كاملة تمت إزاحة جدران غرفها الداخلية وتأسيس قاعة للمحاضرات الثقافية باسم قاعة أبو شهاب الشهاري.. والشقة الثانية عبارة عن غرف على حالها ومطبخ بشباك كبير مفتوح للخارج وكلاهما متصلتان ولهما باب واحد شبك متصل بالدرج.


بمجرد وصولي بعد منتصف الليل تجمع المعتقلون حولي وباشروا التحقيق معي عن كل شي، حتى عن سعر قلص الشاي خارج وما إذا كان هناك سيارات وزفلت ومواصلات عامة أم عاد الناس لزمان الحمير والجمال.
احضروا ما تبقى من العشاء وأصروا على ضيافتي وتعشينا سوياً جبن وطحينية وعيش وشاي يبدو أنه كان فائضاً لديهم.. وهنا وجدت بعض المعمرين في هذه الزنزانة..

زنزانة متنوعة.. 


يقطن هذه الزنزانة الواسعة خليط متنوع من المعتقلين وجاهات قضايا خاصة كصلاح الشرعبي وهارون شداد المختلفين على محطة بترول في الستين ونذير صاحب محل تجاري في مفرق بني عون، ومعتقلون كبار وصغار السن دون 18 (كان هناك واحد فقط) معتقل على رسالة نصية رداً على أحدهم سأله كيف الدنيا فرد عليه الدنيا حامي مشيراً بذلك الى اشتباكات في محيط منطقته باتجاه الدمنة.


كانت زنزانة واسعة مرتبة أكثر وفيها أكثر من ستين معتقلاً وفيها نامس أضعاف ما في الضغاطات، وبها شاب مشرف ثقافي "الخليدي" لديه غرفة خاصة داخل الزنزانة يخرج ويعود حسب رغبته وهو من يزودنا بطلباتنا من السوق مقابل إيجار الموتور الخاص به، ويقيم محاضرات من الملازم ويصلي بالمعتقلين هناك.. ومنهم من يصلي ويسربل ظناً أن الرجل سيصدر لهم صك براءة.

معتقل ومآس مختلفة 


وجدت من أمضوا عامين إلى عام ونصف متنقلين من زنزانة إلى أخرى.. أقدمهم لاكثر من عامين حينها، كان شاباً من المخا، لا أتذكر اسمه، أخبرني أنه معتقل لأن أباه قيادي إصلاحي في تعز لا أكثر، حسب قوله، ولم يكن هذا الشاب يشارك الآخرين كثيراً حول أماني قرب موعد الإفراج.. كان هذا هو عاقل هذه الزنزانة.


وهناك الاستاذ محمود دائل، وهو تربوي وكان خطيب جامع جوار المطار القديم بتعز، وانتقل مع الحرب إلى قريته التابعة للتعزية لكنها تقع داخل إطار شرعب الرونة وكان مصاباً بطلق ناري في بطنه لحظة اعتقاله ومزق معدته واستغرق قرابة عام ونصف علاجه بسبب الالتهابات وأجريت له أكثر من عملية.


وهناك محمود القاسمي من حذران، والصوفي، من إحدى القرى بشارع الستين، وابراهيم ومجموعة أشخاص من الحيمة، ورجل بسيط من عمران أطلق عليه المعتقلون "فواز اتنفس" اعتقل في نقطة بالحوبان بعدما قال لهم إنه مسافر عدن "اتنفس". 
وطاهر فارع الذي حبسوه ظلماً بدلا عن ابنه بسام الذي فر من السجن رغم أنه لم يزره لسجنه منذ عام ونصف فترة سجنه، لكن اتباع "قرين القرآن" كانوا يطبقون آية "ولاتزر وازرة وزر أخرى" بهذه الطريقة.

إمداد الساحل يعتقل في الستين! 


وآخر لا أتذكر اسمه أخبرني أنهم ضبطوه في نقطة بالستين ومعه كيس رز أو سكر، فاتهموه بأنه مسؤول الإمداد في الساحل الغربي لأنه لم يعد هناك في هذا الزمن الأجدب من يشتري بالكيس، وأمضى أشهرا في السجن وأفرج عنه بينما كنت هناك.. 
وهناك آخرون لا تسعفني الذاكرة لسردهم، وفي حالة الجميع لا أدري من نال حريته منهم ومن لازال في معتقله.

شركاء الغرفة الثلاثة


أخذت مكاني في غرفة صغيرة، مع شاب، أحدهم اخبرني أنه اعتقل على ذمة محاولة فاشلة للزواج بفتاة رفض أباها تزويجهما فهربا معاً ولجأ إلى شيخ ظناه سينصفهما لكنه سلمهما للحوثيين فأودعوا كلاً منهما في زنزانة. 


وكان معنا شاب آخر اسمه محمود وأعتقد أن لقبه القباطي، اعتقل ليلة العيد على ذمة نقل الجوازات المستخرحة من تعز للحوبان بدراجة نارية يعيل أسرته بها، ليسلمها إلى كشك هناك لإرسالها إلى أصحابها في إب وصنعاء وذمار وغيرها واتهم بأنه مزور جوازات وكان لا ينام حتى يبكي وهو يتذكر حال أسرته التي لا يعولها غيره.
وثمة شريك رابع وطاغ في الغرفة.. إنها أسراب النامس التي تبدأ مناوبتها من الغروب إلى الشروق..


قاعة "ثقافية" 



كانت الصالة الكبيرة مفروشة بالموكيت وفيها كتب "ثقافية" لا تستحق قراءة العنوان غالباً.. وهناك شاشة تلفزيونية تعمل بالطاقة الشمسية وتفتح نادراً إذا كان هناك ما يقتضي عرضه للمعتقلين من قناة المسيرة يتفرجون منها مآسيهم.

في هذه الصالة يقيمون محاضرات او دورات للسجناء غالباً بإغراء الإفراج إن ثبت الصلاح أو بترقيتهم من زنزانة إلى أخرى. 
مثلاً أبلغني بعض المعتقلين أنهم عرضوا لهم التقرير الذي كان عنهم، حين أخرجوهم لخارج الزنزانة وألبسوهم "معوز منقط" وتي شيرت مخطط واخبروهم أنه سيتم الإفراج عنهم بعفو من عبدالملك الحوثي بمناسبة عيد الفطر.


وجعلوا المعتقلين ظلماً وعدواناً أغلبهم يؤدون الصرخة أمام الكاميرات ويقدمون عبارات الثناء والولاء المطلوبة من معتقلين مغلوبين على أمرهم، ثم أعادوهم إلى الزنازين لاستكمال الإجراءات التي لم تنته بطبيعة الحال.

ولا أسوأ تعذيباً للنفس من إثارة أمل الحرية عند المكبلين من قبل السجان، وجعلهم في حالة انتظار منهكة للروح والأعصاب والكرامة.
لا ضير فهذه هي الجماعة التي تتنفس الكذب ولا تملك ذرة من ضمير أو إنسانية ترعوي مثل هذه التصرفات الفتاكة بمعنويات المقهورين بسجنهم وأكثر بأكاذيب الإفراج عنهم.


لا غرابة أن تسمع بعدها من يبتهل إلى الله مع مرور كل طائرة في الأجواء - يخشاها الحوثيون أضعاف ما يخشون الله ويستبشر بها هؤلاء - أن تقصف مدينة الصالح بمن فيها نحن.. سمعت أحدهم يقول أشهدك يا الله أني مسامح إذا ضربتنا الطائرة معاهم.
=========
تنويه:
(يتبع لاحقا مزيد التفاصيل والقصص الغريبة والمضحكة وليلة القيامة أيضا).


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->