اتفاق الرياض.. تأخير إعلان الفشل!

حتى بعد مرور شهر، شهرين، ثلاثة، على اتفاق الرياض، وحتى لو لم تنفذ منه خطوة واحدة، لن تجرؤ الحكومة على إعلان فشل الاتفاق، سيستمرون في تسويق الوهم، خداع الذات العاجزة والتعلق بالأماني الفارغة بدلًا من مكاشفة الناس بالحقيقة المرّة، وتحمل مسؤوليتهم في مواجهة الواقع بشجاعة.

سياسة ترقيع المرقع والهروب من تحمل المسؤولية عبر محاولات بائسة لتأخير إعلان الفشل وإبقاء الأوضاع معلقة هكذا، هي أسوأ مصير ممكن للإتفاقيات الفاشلة.

لا صيف ولا شتاء، لا شمس ولا ضباب، تمامًا كما هي مؤشرات نتائج اتفاق الرياض حاليًا وكما هو حال اتفاق السويد سابقًا.

هذا النهج السياسي للحكومة المستلبة يتكرر منذ سنوات وهو تعبير فاضح عن قلة الحيلة وترك الأمور عائمة بلا إرادة حاسمة للتحكم بها أو التدخل للاحتجاج وإعادة ضبط بوصلة الاتفاق كما ينبغي وبما يحقق مصالح الشعب ويرسخ حضور الدولة.

نحن أمام نخبة سياسية تدير الوضع وفقًا لمنطق القدر حيث ما ستؤول إليه الأمور تتبعه وتتعاطى معه من منظور اللحظة، حكومة لديها نَفَس طويل وكل سياساتها تقوم على ردات فعل متأخر وفي لحظة يكون فيها الواقع قد أفلت من يدها تمامًا.

حسنًا، نعود لفكرة فشل الاتفاق، فإذا ما كان معيار الفشل هو خروج الاتفاق عن الخطة الزمنية فنحن أمام اتفاق فاشل منذ الأسبوع الأول له، فلم يكد يتحقق شيء منه باستثناء عودة شكلية لرئيس الحكومة ودون أي نتائج عملية لهذه العودة سواء فيما يتعلق بدفع الرواتب أو بسط نفوذها في عدن والمحافظات المحررة، ناهيك عن ترتيبات الملف الأمني والعسكري وإعلان التشكيلة الوزارية الجديدة فكلها أمور تبدو غامضة المصير ولا مؤشرات حول تحققها في القريب العاجل.

في كل الأحوال، الأيام المباشرة بعد أي اتفاق هي المختبر الكاشف لمآلاته، وما لم تتحرك الأمور وفقًا لخطة مدروسة وبشكل متتابع بحيث يلمس الناس تجسيدًا عمليًا لكل ما قضت به الاتفاقية فإن كل ما أعلن عنه في مضمونها يغدو مجرد تفاهمات سائلة لا يعول عليها بشيء وما لا يتحقق في وقته وما يزال الحبر ساخنًا فالزمن يزيده بروده وتظل الأمور مجمدة مكانها وتتلاشى أي إمكانية لحلحلتها مع تقدم الزمن.

وخلاصة القصة أن كل ما يحدث وسيحدث ليس غريبًا، فمنذ الأيام الأولى لإعلان الاتفاق كان الجدل المثار حوله ينبئ بهذا المآل البائس للتسوية العاثرة، والأمر هنا لا يتعلق بصعوبة التنفيذ بل في طبيعة الجهة الراعية له وهي جهة ترغب بالإمساك بالعصا من المنتصف وليس لديها نوايا صادقة في الدفع نحو مشروع الدولة بقدر ما ترغب في ضمان سيطرتها على طرفي الاتفاق وإدارة الأمور بما يعزز نفوذها هي وليس تسوية الوضع والتمهيد لحالة استقرار موثوق.

والآن وقد مر ما يقارب 40 يومًا مذ أعلن الاتفاق، وبالرغم من تعثره الواضح، إلا أن أحدًا لا يرغب بالمجاهرة بحقيقة ما يجري، ومصارحة الرأي العام بالأسباب الحقيقية لتعثر الاتفاق. وهو ما يعني ترك الإنتقالي يستثمر كمون الحكومة لتعزيز حضوره وبمشروعية أكبر هذه المرة، حيث سيعمل على تجيير الاتفاق لصالحه وفي نفس الوقت تحميل الشرعية مسؤولية تعثر الاتفاق. الاتفاق الذي سيحصد الإنتقالي مكاسبه ويتنصل من التزاماته.

على أن المشكلة الجوهرية هنا لا تقتصر على بطء تنفيذ الاتفاق أو التلاعب به أو حتى فشله الواضع؛ بل في مضمونه الذي لا يؤسس لدولة سواء تم تطبيقه أم لا، ففي الحالتين نحن أمام اتفاقية مشوهة وقسرية فرضتها السعودية بما يضمن هيمنتها على الوضع وليس مهمًا بعدها ما ستؤول إليه الأمور على المدى المتوسط وحتى القريب، ففي كل مرحلة ستتدخل لتطبيب الوضع وفقًا لسياستها المعهودة في التعامل مع القضية اليمنية وبمنطق الحلول المسلوقة دونما رؤية ولا أفق نهائي يضع حدًا للمأساة في البلد.

أسوأ من الحرب المستمرة هو السلام الوهمي، وأسوأ من المعارك المشتعلة هو الاتفاق المعطل، حالة اللاحرب واللاسلم، هذا الزمن الرمادي المستقطع من حياة الشعوب هو أكثر الظروف عدمية وأخصب الأيام لتدجين الواقع، والتلاعب بمصير الشعب ومستقبل الدولة.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->