البحث عن الإبرة بين كومة قش

وهي تتهيأ للتخلي عن الحلم
ذهبت إلى الدكان الذي يعرض منتجاتها وسط سوق مدينة زبيد،
وداخل كيس كبير وضعت كل ما عجز الدهر عن بيعه وفى حلقها غصة وطعم مر!

عادت سعاد درويش إلى منزل مبني من جذوع النخيل وقد جاهرت بما دار فى نفسها "لن أحيك من اليوم السعف" ودفنت الإبرة فى القش.


لكن نصائح صديقاتها قطعت استمرارها فى التخلي عن طموحها!

قالت لها فائزة السليماني فيما بعد : كم يمكنك أن تصنعي فى اليوم الواحد من سلال سعف النخيل؟
فتوقف أمامها العالم وهي ترد: "ولكن من سيشتري"


رافقت صديقاتها بالوصول الى صنعاء

وهناك الخبيرة البريطانية فيليبا ثورن تنتظر ثلاثين امرأة بينهن فتاة زبيد ستطرح أمامهن طلبية كبيرة من سلال التسوق إلى مراكز فى برلين وباريس!
لم تكن سعاد قد سمعت بهذه الأسماء كثيرا

كان أقصى ما تتمناه أن يشتري مواطن تهامي إحدى سلالها المعلقة أمام ريح البحر الاحمر المتقلبة لتتمكن من البقاء مع رجائها حتى الغد.

كان وسام قائد، وهو شاب ولد في بريطانيا قد عاد بعد سبعين عاما من هجرة والده الأول إلى ضواحي لندن وقد جلب خبيرات فى الحياكه من أفريقيا وبريطانيا و يدير وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر فى صنعاء.

ويبحث مجازا عن الإبرة بين القش كما قال ذات مرة بلغة فصحى يلجأ إليها عندما يخرج من لغته الإنجليزية الأم
كان وسام من أولئك الذين سحرهم بريق ثورة فبراير ليعودوا إلى منبع النهر أو محل ميلاد الجدود وهم يرون المياه تسري من جديد فى ماكان جرفا. وعلى مقربة من ميدان السبعين حيث يهتف البسطاء ضد مصلحتهم ومع النظام الذي أسهم فى تجفيف النبع.

تعلمت بنت تهامة كيف تلبي طلبات فتاة ولدت وتربت فى أحياء لم يسبق أن سمعت عنها
قال وسام بلغته الفصحى: عندما عرضنا فى مهرجان فرانكفورت ما تصنعن حصلنا على التصفيق وسجلنا آلاف الطلبات!

ثم صعد إلى مكتبه وبقت الثلاثون امرأة يحلقن فى السماء البعيدة ويحكن حقائب سعف النخيل بمهارة ويحاولن حفظ اسم نوع جديد من التسويق النابع من منظمة التجارة العادلة والتي تهتم بمن هم بعيدون عن قلب الأرض وأعين المشترين.

تبدو فى الصورة واحدة من السلال التي صنعتها الفتاة التهامية وبوضوح يظهر الفرق بين أول مسمار وآخر مسمار ثبتته حيث بدأت مترددة ثم واثقة.

غادرت أول سفينة تحمل 15000 حقيبة تسوق مصنوعة من سعف النخيل و بأيدٍ تهامية ميناء الحديدة إلى المانيا فى حزيران 2013.


كانت السفينة تبحر بعيدا محملة بآلاف المنتجات المحلية وبأحلام الفتيات كانت تلك أحلام ربيعنا.

ستتحدث السليماني، وهي ضابطة الاتصال والتواصل في الوكالة، بعد ذلك عن ضعف العدد لنساء يسكنّ قمم جبال طالوق بتعز، يجدن صناعة البن ويطابق إنتاجهن المعايير الدولية لجمعية البن المميزSCAA
ستعرف لاحقا تلك الفتيات بجمعية طالوق النسائية أول تجمع لنساء فى جمعية جبلية وستحتل قائمة التصدير إلى البعيد.

وسيصبح ما يصنعن رائجا ونادراً فى مقاهٍ لايتحدث روادها العربية.
إنهن يحضرن البن بطريقة مختلفة عن ما حضّره اليمني لمئات السنين فى الماضي يقول وسام.

كان كل شيء يتحرك فى عاصمة جرت الثورة فى شوارعها كالنهر،
كان البحث عن الذات أولوية وقد بدأ كل وجه يبحث عن ملامحه فى المرآة الكبيرة!

يصل البروفسور ناصر زاوية متطوعاً إلى كلية الطب فى جامعة صنعاء متخلياً عن كرسيه الأكاديمي فى جامعة رود آيلاند فى الولايات المتحدة الامريكية.

وسيتبعه خطاب من مدير مختبر الأبحاث الجزيئية بالمعهد التقني الفيدرالي العالي بسويسرا هلال الأشول وسيدوّن مجموعة كبيرة من أكاديميي اليمن فى المهجر، أسماءهم بين طالبي العودة إلى المنبع.

وكان محمد راجح، وهو صحفي تخصص حينها برصد حركة النمو الاقتصادي والتنمية، يردد: "سيعود الجميع " ، وكان أكثرنا تفاؤلا.


كنا جميعاً نرى القطرات وهي تحوم فوق رؤوسنا وننتظر أن تمطر، بعدها بعام واحد تقريباً جف كل شيء، عاد الجرف جرفاً وحوصرت صنعاء وأحلامنا وأجدب الربيع..

عادت فتاة تهامة إلى عزلتها
غادر ناصر كلية الطب
تراجع هلال وشاكر الأشول عن القدوم

ترك مصطفى العبسي عالم النفس وخبير الطب السلوكي في جامعة منسوتا منشورا حزينا على صفحة يرتادها عشرون شخصا!


كل شيء بدا كهلاً

فقدنا مجدداً الإبرة فى القش
وعدنا نبحث عنها
ثمة من أشعل النار وها نحن نرى الحرائق.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية


-->