الجيش الذي لا يعتذر

بصورة شبة يومية تتعرض تعز المدينة التي أنتمي إليها للقصف العنيف، يلي ذلك نداءات استغاثة المدنيين، وتشق أصوات النساء الحزينة صمت الليل، ويصعب الاستمرار في النوم.

 

في الصباح تحاول المدينة الاستيقاظ لترى ما حل بأبنائها ويكشف الضوء عن ضحايا لا علاقة لهم بكل ما يدور, أطفال لم تتح لهم غير أشهر ليعيشوا, ونساء وكبار سن كانوا يبحثون عن نوم خفيف داخل منازلهم المبنية ببراءة, لم تخطر أثناء التشييد فكرة أن تصبح يوماً هدفاً للصواريخ والمدافع، وتم بناؤها لتقي من البرد والمطر وأحياناً الهزات الطفيفة وليس من القصف الذي لا يتوقف إلا لشحذ القذائف الجديدة.


في العاصمة أيضاً أصبحت الشوارع مسرحاً للموت؛ في مرات عديدة تتسابق القذائف لاختطافنا وكذا بقية أنحاء البلاد، ما عاد هناك مكان آمن للعيش، كل وجهه تذهب إليها لالتقاط أنفاسك تلاحقك القذائف والقتلة المحترفون الذين يجهلون جميع القيم الإنسانية, ولا يمانعون من الظهور على شاشات التلفزيون ليشرحوا وجهة نظرهم في القتل، كما حدث ليلة البارحة حين أطل عبدالإله قيران أحد القادة العسكريين المكلفين بخنق الحالمة عبر قناة «السعيدة» ليحدثنا عن إرادته حماية المدنيين، وإن كلف ذلك قتل بعضهم لحماية البعض الآخر, تخترق هذه القناة وغيرها القانون الإنساني بالسماح لقتلة الأبرياء المطلوبين للعدالة بالظهور وتوجيه اللوم للضحايا.


هذا القائد المأمور وغيره من العدائيين دنسوا اتفاقيات جنيف الأربع خاصة اتفاقية 1949 المتعلقة بحماية المدنيين، والقانون الإنساني الخاص بالدفاع عن الذين لم يشاركوا في الأعمال العدائية, ويشمل هذا القانون جميع دول العالم ماعدا قيران والعوبلي والذين يأمرونهم بقتل كل من تصل إليه مدافعهم ومنصاتهم الصاروخية وسط مدننا، فقد أصبح لديهم قناعه أن كل قوانين الدنيا لن تطالهم وربما صممت لحمايتهم من الأبرياء.


لدى قواتنا المسلحة وأجهزة المخابرات والأمن السري والمعلن بكل أصنافها أمية حادة بكل ما يتعلق بحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية التي تحمي المدنيين، والتي وقع عليها ممثلو البلاد الدبلوماسيون دون أن يعرفوا مضامينها، وما طلبوا من المختصين شرحها لجيشنا المستخدم في القتل الداخلي.


في لحظات عديدة يجلس جنرالات الحرب ومليشياتهم أمام شبكات التلفزه ويرون ما أنجزوا من قتل للأطفال والنساء والأبرياء بكل أعمارهم، ولكن مهما رأوا من صور البشاعة لا تلين قلوبهم - إن وجدت- ولا تأخذهم الجرأة للاعتذار, لم يحدث يوماً أن سمعنا جيشنا معتذراً عن خطأ غير مقصود نتج عنه سقوط ضحايا. يحدث هذا عندما تخطئ قوات الناتو في أفغانستان أو باكستان, يبادر الجيش إلى تقديم المواساة لأسر الضحايا، بينما يعد هذا أمراً معيباً وفي غاية الخطورة لدينا، مع أن الموت واحد كان برصاص متحدث العربية أو أي لغة أخرى.


نموت على أيدٍ داخلية مدربة وننتظر اعتذاراً من جيش يعتقد أن كلمة الأسف انتقاص من الهيبة المفقودة، ويظل مكابراً مع علمه أنه القاتل وأن أحداً لم يمتلك سلاحه وجرأته على الإبادة. ما طلبنا منهم إعادة أرواحنا أو دفع الدية فهم خير من يهرب في المعركة ومن المسؤولية, أملنا أن نسمع اعتذاراً - بأي لغة حتى بالإشارة- لنا كضحايا نحاكم ونسجن ونضرب في شوارعنا ثم نقتل في منازلنا فوق أسرتنا غير الوثيرة، وندفن مع رجائنا سماع اعتذار القاتل الذي يرتدي بزة فَرِحْنا برؤيتها يوماً وها نحن نهرب من نيرانها كل لحظة.
 

المصدر أونلايـــن


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->