الرئيس الذي يحكم بالوحي

يحدث كثيرا أن تواجه الأصوات الساخطة على الرئيس هادي وحكومته والطبقة السياسية المتنوعة من حوله موجات من التشكيك والإستنكار واللوم والسخرية من قبل تيار واسع وعابر للأحزاب من الموالين لقيادة الشرعية والراضين عن أدائها، لكن أهم ما تقابله الأصوات الساخطة كلما ارتفعت هو الصمت المطبق للرئيس.

هذا الصمت يتخذ عادة شكل صوت هامس في الأذهان، يتصنع تعاطفاً أبوياً مع نزوع الساخطين "المثالي الحالم" و"الغافل" عن تعقيدات الحكم في ظل هذا الظرف والغافل أيضاً عن خطورة المعركة السياسية الدقيقة والشاملة التي يخوضها هادي وحكومته وطبقته السياسية ضد أعداء فوق الحصر.

يغيب الرئيس في اللحظات الحاسمة، فيحضر من يلفت انتباه اليمنيين إلى حرب خطيرة من طبيعة مختلفة يخوضها هادي، تشبه من ناحية شمولها وسريتها حروب الآلهة في الميثلوجيا اليونانية القديمة، فليست كلها مما يمكن متابعته ورصده والحكم عليه، لأنها غالبا محجوبة عن الأنظار والأسماع ومسرحها الأساسي هناك في الظل ، حيث تتكاثف عليه الحملات الدبلوماسية لبن زايد وبن سلمان وسفراء الدول الكبرى، طامعين بميناء هنا وجزيرة هناك فيردهم على أعقابهم مكسورين واحداً تلو الآخر.

ما نعايشه على الأرض من إزاحة مستمرة لسلطة الشرعية لصالح مليشيات متعددة، وتصفيات دامية واعتقالات لمناصريها، وحرمانها من معظم مصادر القوة، ليس سوى أصداء خادعة لا يجب أن نتلقفها كإشارات حاسمة عن غياب فاعلية القيادة وتخليها عن مسؤولياتها في حماية الوطن والمواطن.

مع كل إخفاق لجبهة الشرعية خلال سنوات من الحرب، كان غياب الرئيس المطلق يفسح مجالاً لظهور الصوت الذي يتأول مبرراً بطولياً لهذا الغياب، ويفلح في السيطرة على غضب الناس أو يفلح، بتعبير أدق، في قطع الطريق أمام تطور هذا الغضب إلى موقف نهائي من قيادة الشرعية وذلك عبر الإيحاء بوجود فكرة عبقرية ومكسب سياسي كبير لهذه القيادة خلف كل هزيمة.

هذا الصوت المتطوع لاحتواء السخط على هادي، كان حاضراً دائماً خلف الرجل منذ اللحظة التي أدى فيها القسم الجمهوري، ومارس دور الحارس الشخصي للرئيس بأكفأ ما يكون، وقد مر عبر أطوار متعددة، وتناوبت على حمله ألسنة من خلفيات سياسية وأيدلوجية متنوعة اكتسب عبرها قوة التأثير وأثمر كتلة جماهيرية واسعة من مشارب متعددة بل ومتضاربة تثق في الرئيس، وتدور مع الصوت الذي يحرسه أينما دار.

على سبيل التمثيل المقتضب لتجليات هذا الصوت الموحى إليه، يمكن استحضار الحديث عن تحرر الدولة من قيود القبيلة بعد سقوط عمران، من ضمنه تصريح مريع للرئيس نفسه "عمران عادت لحضن الدولة"؛ وحين تلتها صنعاء بعد ذلك بوقت قصير، عولج الناس من صدمتهم بالرواية المثيرة عن مكيدة الرئيس للحوثيين ولسفراء الدول العشر حين وضعهم رأسا لرأس تحت شمس العاصمة .


اجتياح الحوثيين للجنوب أيضاً لم يكن سوى تتويج لسعي ماكر من قبل هادي يستهدف استدراج الجيران إلى مواجهة مباشرة مع ذات الجماعة التي تواطأوا معها سابقا في صنعاء، وقد نجح في ذلك كما شاهد اليمنيون بأعينهم. ولم يعدم الساخطون أيضا إجابة على سؤالهم حول حكمة ترك جزء كبير من الجنوب المحرر نهباً لقوات الإنتقالي، لأن الصوت ذاته ، وبإسناد من تجربة طويلة وخبرة كبيرة حتى هذا الوقت، قد تحضر جيداً لهكذا سؤال فحضر من يقول إن قيادة الشرعية أرادت استنزاف روح الإنفصال عبر تمكين وكلاء فاشلين من قيادة المشروع الإنفصالي، ثم إعطاؤهم المساحة اللازمة للتجريب والفشل.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->