رسالة لحزب الإصلاح!

يشكو الإصلاح من العزلة الخارجية الدولية والإقليمية ضده؛ لكنه لا يكف عن بناء الأسوار حوله داخليًا أيضًا أو بمعنى أدق لا يفعل شيًئا لخفضها وتسوية التلال القائمة بينه وبين الأخرين. إذا كانت العزلة الخارجية ظالمة وغير مبررة وناتجة عن تصورات خاطئة تجاه الحزب؛ فإن العزلة الداخلية لها أسبابها الموضوعية والذاتية، ويمكن للإصلاح اختراقها حالما اشتغل عليها بتصميم وإصرار صادقين.

ليس العالم وحده من يتآمر على الإصلاح، الإصلاح أيضًا يتآمر على نفسه، بعجزه عن ردم الفجوات بينه وبين الأخرين ومد جسور التواصل معهم. ويتجلى ذلك بطريقته في إدارة معاركه مع خصومه وعدم استشعاره لضرورة تجاوز منطق الدفاع عن الذات، والذهاب أبعد من ذلك في تفكيك الخصومات التي تستهدفه بكل السبل الممكنة ومهما كانت التصحيات المطلوبة لإنجاز ذلك.

بالطبع ليس الإصلاح مخطئاً في دفاعه عن ذاته وتشبثه بحقه الطبيعي في المشاركة بالسلطة ومراكمة مكاسبه كأي حزب براجماتي نشط ويتمتع بحيوية في فضاء سياسي رخو وشركاء خاملين؛ لكن صوابيته هنا تفتقد للحكمة السياسية، وما هو صواب ليس بالضرورة أن يكون مناسباً إذا ما أخضعناه لمعاينة منطقية تتعلق بتداعيات هذا السلوك على المدى المتوسط والبعيد.

بلغة أوضح، على قيادة الإصلاح أن يدركوا شيئاً واحداً وهو أنكم لن تستطيعوا هزيمة الخارج مالم توسعوا تحالفاتكم في الداخل. كما أن الدعوة النظرية للشراكة وحدها لا تكفي، ما لم تقدموا لخصومكم تنازلات حقيقية وتراعوا مخاوفهم منكم، بصرف النظر عن كون تلك التنازلات هي حقوق طبيعية لكم؛ فالتضحية بالمكاسب اللحظية هي أكثر ضماناً لمستقبلكم ومستقبلنا معكم أيضاً.

تسعون لحماية الحزب من أي ضربة محتملة تفقده حقوقه الطبيعية في العمل السياسي والمشاركة في السلطة، وهذا طبيعي جداً؛ لكنكم لا تفعلون ذلك بطريقة مجدية. إنكم لا تستطيعون النجاة من الضربة بالتمترس على ذواتكم والاكتفاء بحلفاء من منطقة الوسط وذوي الرؤى المتقاربة معكم.

أنتم بحاجة لمبادرات عملية شجاعة تخلخلون بها الحواجز المرتفعة بينكم وبين خصومكم الحقيقيين، وإجراءات واقعية تخفف من سخطهم عليكم ولو كان فيها بعض الغبن للذات والإحساس بالخسارة، فهي على المدى البعيد طوق نجاة للجميع.

بإختصار : عليكم بتفويت الفرصة على خصومكم وتحاشي الضربة التي إن وقعت لن تسقطوا فيها لوحدكم، بل سيتهاوى إلى جواركم كل ما بنيناه طيلة سنوات وسنعود إلى نقطة الصفر ولا أحد يعلم كم سنحتاج من السنين كي نقف على أقدامنا مرة ثانية.

ثمة مثال يمكنه أن يقرب لنا المشهد أكثر، وهو مثال رغم الفوارق الكبيرة بينه وبين حالة حزب الإصلاح في اللحظة الراهنة، إلا أن فيه ما يمكن الاسترشاد به.

فعلى سبيل المثال كانت أكبر خطايا النظام المصري إبان حكم مرسي هو أنه فشل في بناء قاعدة تحالفات سياسية توافقية صلبة تمكنه من اجتياز المرحلة بسلام، وطيلة عام من حكمه ظل متقوقعاً على نفسه ومكتفياً بتحالفات شبيهة بتحالفات حزب الإصلاح اليوم، وأبرزها تحالفاته مع حزب النور والوسط، فيما تكتلت باقي النخب العلمانية واليسارية والليبرالية في الجهة المناوئة للنظام ومعها ظل النظام محاصراً ومعزولاً حتى انقض عليه العسكر وأعادوا البلاد لمنطقة الصفر.

صحيح أن الحالتين مختلفتان، والإصلاح ليس حاكمًا اليوم؛ لكنه ذو حضور قوي ونفوذ جيد وهي وضعية صعبة تجعله يتحمل مسؤولية تأريخية في تأمين المسار ومحاصرة أي عوامل تقويض محتملة للعملية السياسية الهشة في البلاد.

أخيرًا: على الإصلاح أن يتجاوز اختناقاته الذاتية ويتقدم بخطوة أكثر شجاعة نحو الخصوم المنخرطين في إطار الشرعية، عليه أن يذهب إليهم ولا ينتظر منهم التقدم نحوه أو حتى اللقاء معه في المنتصف.

من المهم أن يتصرف الإصلاح بمرونة متحرراً من قيود الاحتكاكات الظرفية ويتقدم بخطاب تطميني للأخر، يمكنه بواسطته خفض حالة الاستقطاب وإزالة الصدأ الذي ينشأ بين الأطراف حين تطول مساحة الغياب وعدم الحديث فيما بينهم. فالأخرون لا يمكن التعويل عليهم في مسألة التخلي عن حساسيتهم تجاهه، والصمت هنا يضاعف الفجوة ويوفر بيئة خصبة لتضخم التوجسات وبروز فرص للإستثمار السياسي بعيداً عن الهدف الوطني الأبرز المتمثل في استعادة الدولة وحماية السيادة وإنهاء الإنقلاب.

* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->