رعاية المشاهير

إذا سبق لك أن ظننت أن المبدع إنسان غير عادي لا يحتاج المال، فعليك أن تنسَ الظن وتسارع بتغيير نظرتك، كما عليك أن تؤمن أنه لديك حق على الحكومة، أن ترعاك بأية وسيلة.

ما مضى في السنوات السابقة، كان جزءً من سياسة تمشية الحال مؤقتًا، أقصد في رعاية الدولة لبعض من انتبهت لهم ونالوا قسطًا من الشهرة فكان لا بد من التحرك لتبني مواهبهم، وتنمية مهاراتهم، لرفع اليمن عاليًا في محافل التكريم وكذلك لاسقاط تهمة الإهمال.

حسنًا، ستعرفون نموذجًا عايشته، من أغرب النماذج التي لم تخطر على أحد، ولكن بعد معرفة تداعيات الحلقة الأولى من الموسم الجديد لبرنامج "عاكس خط" الذي يقدمه محمد الربع.

في الحلقة المشار إليها، انتقد الربع الرئيس هادي، ما عده البعض استهزاءً برمزية الدولة، وراحوا يفتشون عن سلسلة الإسم الذي يعقب الربع، ويصنفون ما قام به في خانة "عمل هاشمي"، وهو ـ أي الربع ـ الذي ينتقد الحوثيين منذ انطلاق برنامجه، ويشكل جبهة منفردة تخرج فضائح المليشيا وطريقة تفكيرها، بعد متابعة وتدقيق لإعلامهم على مدى 11 شهرًا.
وبالرغم أن الحلقة الثانية، كانت لاذعة للحوثيين وتناولت إيمانهم بملازم "القائد المؤسس"، إلا أن ذلك لم يشفع للربع عند بعض ناقديه.

كل ما يعرض ليس بعيدًا عن النقد، وإن بدا برنامج عاكس خط جديًا يلملم هفوات الآخرين محاولاً الهزء، غير أن الربع لم يتغير بطريقته من ناحية الأداء الكوميدي كما يعتب عليه بعض ناشطي الفيسبوك، وهذه النقطة هي الوحيدة التي يمكن إدخالها ضمن مصداقية النقد البناء، أما بقية الجدل المثار حول الربع، فلا طائل منه.

الربع اشتهر مع ثورة 2011، شاب أنيق بحس فكاهي، في الموسم الماضي عرى المليشيا الحوثية، وبحلقة واحدة بدأت نظرات الريبة تطاله من البعض، خاصة من التيار الذي ينطلق من هوية يمنية خالصة، لذا هم يلومون: العرق الهاشمي.
أما آخر اللائمين، فقد رأى أن نقد الربع للرئيس يأتي ضمن سياق الصراع الخليجي الخليجي، وأن القناة التي يعرض عليها الربع برنامجه مدعومة من قطر.
دعونا من كل ما قيل.. ولننظر ما حصل بعد ذلك من تداعيات..

بعد ذلك تم نشر كشوفات لأسماء اعلاميين بينهم الربع، يحملون رتبًا ويستلمون رواتب من وزارة الدفاع ضمن "التوجيه المعنوي".
هل في الأمر عيب، أم منقصة؟
من بعد اندلاع الحرب، ساءت الأمور المعيشية لكل فئات المجتمع، في مجال الإعلام توقفت الصحف، أين يعملون؟ القنوات أغلقت مكاتبها؟ الصحفيون مطاردون؟

عندما بدأت الشرعية بالتعافي قليلًا، بدأ المقربون منها بالبحث عن حلول، من جهة لتحسين مستواهم المعيشي، ومن أخرى لتجنب نقدهم..
العيب، هو أن لا يشمل هذا الحل جميع الإعلاميين، كما أن العيب عدم البحث عن حلول لفئات غير الإعلام.

تفرق الإعلاميون، الشرعية وضعت منهم تحت مسمى: التوجيه المعنوي
بعضهم اتجه للعمل في وسائل تابعة للتحالف، آخرون ارتبطوا بأشخاص، وكثيرون في منازلهم..


لا بأس أن يستلم الربع أو غيره راتبًا من وزارة الدفاع أو حتى وزارة الأوقاف خاصة في هذه الفترة..
من أين سيجد اليمني مصاريف أيامه في ظروف كهذه؟
الآن سأذكر قصة سياسة الدولة في تمشية حال المبدع، وإحالته لوزارة الدفاع تحديدًا..

عقب 2002 ووصول منتخب الناشئين لنهائي كأس آسيا، ولعبه لنهائيات كأس العالم، أمطرت الأفواه بوعود الرعاية لهؤلاء الموهوبين، من الرئيس وقتئذ علي صالح إلى أصغر رجل أعمال، كانت الشهرة قد أحاطت هؤلاء اللاعبين النجوم، وسارعت الدولة ـ ممثلة بتوجيهات عبدالله صالح، ووزارة الشباب، وجمع غفير من الوزارات والأشخاص، بتدارس سياسة لرعاية الموهوبين.

كنت وقتئذ في القرية، كنت صغيرًا، أحسد الشهرة التي حصلوا عليها، وأظن أن الخير قد طوقهم من كل جانب، ولم يعودوا يحتاجون المال..
بعد سنوات، كنت في صنعاء، لا أجد مصاريف الدراسة، دخلت إلى الفرقة الأولى مدرع في شعبة لتعلم الكمبيوتر، بعد سنوات تجندت، كنت أستلم وأدرس، كان أغرب ما وجدته: طابور من لاعبي منتخب الناشئين وقد أصبحوا كبارًا، هؤلاء يستلمون راتب نهاية كل شهر من الفرقة الأولى مدرع، كأنهم جنود.. لم يتبق لهم أي وعد بالرعاية، نساهم الجميع ولم يبق غير راتب الفرقة الأولى، لم يذهبوا للحرس لأن الشروط لم تنطبق عليهم.

هذا ليس دعاية للفرقة، وإنما للتذكير بسياسة الدولة في رعاية الموهوبين.. لاعب منتخب في وزارة الدفاع.
حين أكملت الدراسة، تركت الجندية.. كنت أقول في نفسي: قادر على استلام الراتب دون دوام، ولكني أعمل في الصحافة، لا يصلح أن أكتب عن الفساد وأنا فاسد..
لم أكن أعرف أننا داخلين لأيام سوداء، إلى سنوات كهذه.

تقولوا يصلح أقع ضابط الآن؟

* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->