زيف النخب الثورية!

في بداية ستينيات القرن العشرين، تشاءم المفكر الفرنسي فرانتز فانون، من الثوار التقدميين ومن القوى التي تحتكر النطق باسم الحداثة، وقد فسر تشاؤمه ذاك بكون تلك القوى تتحول بعد انتهاء الثورة إلى رقيب مستبد على الجماهير، بينما سرعان ما ينتقل زعماء الثورات إلى طابور المنتفعين والانتهازين، يمارسون دور طعن أحلام الجماهير من الخلف، وتكون النتيجة التي توصل إليها في كتابه "معذبو الأرض"، أن هذه النخب الثورية تصبح مع الوقت جزءا من الواقع الفاسد الذي ادعت الثورة عليه، وعائقا أمام تمكين الشعب من المشاركة في أمور السياسة وبناء الدولة الحديثة.

 لقد مثّل كتاب "معذبو الأرض" مرجعا مهما في فهم الخلفية النفسية للنخب المثقفة التي تقدم نفسها رائدة للثورات والتحرر الوطني، كما أن مؤلفه فانون؛ المنحدر من أصول جزائرية، قدم ما يشبه التنبؤات بمصير كثير من الثورات إلى طريق معاكس لأحلام الجماهير التي أشعلتها، وكانت أفكاره بمثابة أجراس إنذار لعموم الثوار بضرورة الحذر مما يمكن تسميته "بالثوار المثقفين"، الذين يقدمون أنفسهم كقادة تحررين وحداثيين، ولكنهم في الحقيقة مجرد صورة ناعمة للاستبداد السياسي والتطرف الفكري.

  لقد أكدت كثير من وقائع السنوات الثمان الماضية، ابتداء من ثورات الربيع ومرورا بانقلابات الثورة المضادة وانتهاء بالحروب الدائرة حاليا في أكثر من بلد عربي، أن تحذيرات المفكر فانون من النخب الثورية كانت صائبة، ويجب أن تقرأ الآن بعناية فائقة، لكي لا تتكرر أخطاؤنا الناتجة عن التصديق بأن التغيير وبناء الدول لن تقوم به إلا نخبة معينة بمواصفات خاصة، وأن عموم الناس ليسوا مؤهلين لقيادة الثورة، وهي نغمة تتلاءم مع اسطوانة الأنظمة المستبدة بأن المواطنين غير مؤهلين لقيادة الحكم، وتتناغم مع أسطوانة مماثلة بأن عموم الناس لا يمكن لهم فهم الدين إلا عبر نخبة معينة من مشايخ الدين.

 من يتأمل تاريخ الصراع الحالي بين الاستبداد والحرية في بلدان الربيع العربي، سيجد أن العائق الرئيسي أمام نجاح ثورات الشعوب العربية في تحقيق أهدافها، هي تلك النخب الثورية التي احتكرت الحديث باسم النضال الشعبي واحتلت منصاته، وعندما بدأت عجلة السياسية تدور باتجاه تطلعات الشعوب الثائرة، انتقلت إلى صف الاستبداد ومناصرة الظلم والطغيان، إما تعصبا لأيدولوجيات شمولية تجاوزها الزمن، أو نكاية بخصوم سياسيين مشابهين لهم في البؤس السياسي.

 خلال زمن قريب شهدنا كثيرا من الأصوات التي ضجت بمقولات الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان تقف إلى جانب الانقلاب في مصر واليمن، ورأينا مثقفين طالما نظّروا للدولة المدنية يدافعون بشراسة عن مليشيا الحوثي الإرهابية وانقلابها على السلطة التوافقية، وعايشنا حزبيين في صف اليسار يصطفون في طابور الدعاية الإعلامية لجماعات متهمة بالإرهاب ككتائب أبو العباس، أو لجماعات مسلحة مناطقية وانفصالية كأحزمة ونخب الإمارات الأمنية.

 الأحداث الملتهبة في الوطن العربي، دللت على أنه لا يوجد أسوأ من الأنظمة الديكتاتورية إلا القوى والأحزاب التي تعارضها بأدوات الاستبداد، وإذا ما أردنا أن ننجو من حالة التيه السياسي التي نعيشها، علينا أن نحذر كثيرا من القوى المتدثرة بلباس الحداثة، بنفس القدر الذي نشكك فيه من القوى المتدثرة بجلباب الدين، وأن نقف بشجاعة ضد بعض مثقفي التنوير تماما كما نقف ضد الأنظمة الحاكمة، وأن نمتلك الإرادة لكشف زيف هؤلاء المثقفين بذات العزم الذي نكشف فيه كذب بعض مشايخ الدين، فالجامع بين نخب السلطة والدين والحداثة، هو إجادة دس سم الاستبداد في عسل التغيير، وهم مختلفون في كل شيء إلا عداوة الشعوب وكراهية تقدمها، كما يجب علينا أن ندرك جيدا أن مبادئ الدولة الحديثة كما هي قيم الدين، ليست حكرا على أحد من النخب، بقدر ما هي ملك الناس وحق كل المواطنين.

* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية


-->