فساد أممي.. من فلسطين الى اليمن

أيام قليلة فقط تفصل بين فضيحتين لمنظمات الامم المتحدة العاملة في مناطق النزاعات.

فمن تقريرٍ سريٍ لمكتب الأخلاقيات التابع للامم المتحدة حول ممارسات فساد لموظفين في مفوضية الأونروا في فلسطين، إلى ما كشفت عنه مؤخر اً وكالة الأسوشيتد برس عن تقرير داخلي للمنظمة الأممية حول مكاتبها في اليمن.

الاتهامات الواردة في الحادثتين تكاد تكون متشابهة حد التطابق، وهي في ذات الوقت صادمة، بالنظر إلى طبيعة هذه الاتهامات لمنظمات يُنظر إليها في عيون الناس بانها ملائكة الرحمة جاءت لتمنح المساعدة والرعاية لشعوب خنقتها الحروب والنزاعات، في زمن لم يعد يكترث بهم أحد.

فالمنظمات - ليس جميع المنظمات بالتأكيد- التي تمنح الدقيق والسكر والحب والرحمة بيدها، تخبئ تحت إبطها الحقيقة البشعة في استغلال حاجات الناس واستخدامها في استجلاب عطف المانحين وأموالهم لإثراء موظفيها، ووسيلة للتكسب غير الشرعي.

في التحقيق الذي نشرته وكالة أسوشتد برس الامريكية في الـ5 من هذا الشهر كشفت بإن محققين تابعين للأمم المتحدة كان بحوزتهم أدلة ذات أهمية عالية - حول تورط موظفين في مكاتب منظمات الأمم المتحدة في اليمن- موجودة في أجهزة حواسيبهم كانوا على وشك مغادرة مطار صنعاء، لتفاجئهم عناصر من ميليشيا الحوثيين في صالة المطار طالبين منهم ما بحوزتهم من حواسيب، امتنع الفريق في البداية لكن مع إصرار عناصر الميليشيا المسلحة، تم سحب ما بحوزتهم ومصادرتها.

الأدلة كانت حصيلة تحقيق داخلي أجرته الأمم المتحدة، تمحورت غالبيتها حول تهم فساد مالية، منها توظيف عمال غير مؤهلين وإعطاؤهم رواتب مرتفعة وايداع مئات الآلاف من الدولارات في حسابات بنكية لموظفي هذه المنظمات، إعارة سيارات موظفي المنظمة ذات الحصانة من أي استهداف إلى قيادات في ميليشيا الحوثيين لتتحرك بها بحرية تجنباً للاستهداف من طيران التحالف، إبرام عشرات العقود المشبوهة دون توفر المستندات المناسبة، لكن أطرف تهمة ذكرها التقرير كانت توظيف احد الموظفين الاممين -إيطالي الجنسية- 3 طلاب جلبهم من جامعة فلبينية وقام بتوظيفهم برواتب عالية، اثنان منهم كانت وظيفتهم الاعتناء بكلبه الخاص..!

حول حادثة مصادرة الأدلة في مطار صنعاء، لماذا قد يتدخل الحوثيون في تحقيق داخلي للأمم المتحدة..!
هناك فرضية تجيب على هذا التساؤل، إذ من الممكن أن التعاون بين موظفي هذه المكاتب وميليشيا الحوثيين وصل إلى درجة أن كل طرف يحمي ظهر الآخر، وأن الموظفين أبلغوا الحوثيين بأهمية الأدلة التي يمتلكها فريق التحقيق، لذلك باشر الحوثيون بالتحرك، وقاموا بمصادرتها.

نعود إلى فلسطين حيث تعمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينين في ظروفٍ صعبة بعد قطع الولايات المتحدة مساعداتها عام 2018 والمقدرة بـ360 مليون دولار سنويا، كان يفترض بعد حدوث هذه التطورات أن يتنبى موظفو الوكالة حالة تقشف قصوى لمواصلة تقديم المساعدات والخدمات للاجئين الفلسطينين، لكن وبالضد من ذلك، ووفقاً للتقرير السري الذي تم تسريبه لشبكة الجزيرة الشهر الماضي فإن مدير الوكالة السويسري "بيار كرانبول" وعدد من مسئولي الوكالة متهمون بقضايا منها "سلوك جنسي غير لائق، سوء استغلال السلطة، والمحاباة والتمييز، وعدم اعتماد المؤهلات في التوظيف -خلافاً للوائح التوظيف الخاصة بالامم المتحدة-، وممارسة البلطجة والتنمر على الموظفين في الوكالة".

يذكر التقرير بأن "كرانبول" الذي تم إعادة تعيينه لولاية ثانية مديراً عاماً للوكالة في 2017 ارتبط بعلاقة عاطفية مع زميلة له في الوكالة ليستحدث لها وظيفة رئيس المستشارين ويعطيها هذا المنصب، ويصطحبها معه في سفرياته حول العالم في درجة رجال الاعمال، ليس هذا فحسب ففي تقرير منفصل تُتهم مساعِدته في خلق وظيفة لزوجها براتب مرتفع. يحدث ذلك في الوقت الذي يخرج فيه "كرانبول" في مؤتمره الصحفي يحذر من توقف الوكالة عن تقديم خدماته بسبب نقص الدعم، واحتمالية أن تكون نتائج ذلك مكلفة بشكل كبير على حياة الفلسطينيين.

الامم المتحدة ردت على سيل من اسئلة الصحفيين قائلة: إن التحقيقات مازالت جارية، ولا نستطيع التعليق بأكثر من ذلك..

لم يخطئ الناشطون اليمنيون حين أطلقوا حملتهم #وين_الفلوس التي تطالب المنظمات المحلية والدولية العاملة في الجانب الإغاثي والإنساني والتنموي بضرورة اعتماد مبدأ الشفافية ونشر تقاريرها المالية والفنية المدققة بشكل مستمر، كانت لديهم معرفة بكل هذه الكوارث التي تجري خلف الستار من سرقة وفساد وتلاعب وتوسل أموال المانحين باسم الفقراء اليمنيين والفلسطيين والسوريين والصوماليين، كانوا يعرفون أن هذه الاموال لا تصل الى مستحقيها كما يجب، بل لإثراء ورفاهية عمال هذه المنظمات الذين استغلوا حالة غياب الرقابة الحكومية والوضع الفوضوي الذي تعمل فيه، للتتماهى معه، ولتتحول الى لص مساعدات وأحد أمراء الحروب.

الفضائح الأخيرة كلفت الأمم المتحدة الكثير في سمعتها ومصداقيتها حول العالم، حيث لا تكاد تمر فترة قصيرة حتى تظهر للسطح روائح فساد وكالاتها ومنظماتها، لذلك وفي سبيل حفاظ هذه المنظمة على سمعتها، وضمان استمرار تقديم المساعدات للشعوب في مناطق النزاعات أقدم هذه الاقتراحات التالية:

1- التحقيق في كل وقائع الفساد التي طالت موظفي مكاتب الامم المتحدة، ومحاسبة المتورطين، لتوضيح جدية تعامل الامم المتحدة مع حالات كهذه أمام الرأي العام.

2- ضرورة الاستجابة السريعة لمطالب حملة (وين الفلوس) في اعتماد مبدأ الشفافية في عملها، وضرورة نشر التقارير المالية والفنية المدققة لمشاريعها، وإلزام المنظمات المحلية المتعاقدة معها بفعل المثل، بالإضافة إلى نشر العقود والاتفاقيات الموقعة في مجال تنفيذ المشاريع المُقرّة.

3- ضرورة ضغط المانحين والإشراف المباشر والمكثف على أعمال هذه المنظمات لضمان معرفة أين تصرف اموالهم.

4- اعادة النظر في قائمة الصرفيات والامتيازات التي يمتلكها موظفو هذه المنظمات بما يتناسب مع طبيعة العمل الإنساني الذي جاؤوا من أجله.

5- أن تتم جميع المشاريع المنفذة من قبل منظمات الامم المتحدة بالتنسيق مع الحكومة اليمنية وتحت إشرافها.

6- تحويل كافة المبالغ المخصصة للمنظمات في اليمن عن طريق البنك المركزي في عدن.


* المقال خاص بـ "المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->