مزرعة اللجنة الثورية!

بعد قيامه بجولة إلى سوق الماشية، عاد ليبشر الناس: إذا استمرت الأسعار على هذه الحالة، سنضحي هذه السنة بدجاج.

على مشارف العيد الكبير عادة ما ترتفع أسعار الحيوانات اللاحمة، غير أن غلاء هذه السنة مختلف عن بقية السنوات، ومن فضول التشخيص الشعبي، يذهب بعضهم إلى أن سبب المشكلة هم الحوثيين، إذ يستولون على الحيوانات لامتصاص غضبة أولياء الدم المسفوك لأشخاص كانوا معهم.

تحميل المشكلة على هذا السبب، تشخيص ناقص في غير محله، ذلك أن الحوثيين يعتمدون على الثيران، فما دخل الكباش والأجداء، وعليه فإن من يريد مشروعًا يستثمر فيه في مناطق الحوثيين، فلا يوجد أربح من المتاجرة بالأعجال والأثوار.

لنخرج من لطافة الجو هذه في الوضع الكئيب، ونتحدث عن الثيران بجدية!.

بعد حادثة السحل التي قام بها الحوثيون في عمران، للشيخ مجاهد قشيرة، وهو أحد مناصريهم السابقين، والتباهي بسحب جثته وضربها بأعقاب البنادق، أثارت سخط الرأي العام، مع أن نشر المقطع لم يكن لغرض شعبي، وإنما لإرسال رسالة لمناصريهم وإن كانوا مشائخ قبليين: ارتدعوا من هذا المصير إن فكرتم بالخروج عنا..

ردة الفعل الشعبية، جعلتهم يستعينون بالثيران، وهي عادة قبلية، تقدم دم الثور بدم اليمني، وكأن العفو لن يأتي إلا بدم يقايض دم القتيل بأي دم!.

عند الأخطاء الفادحة، عند الاعتداء والتهجم، وعند القتل.. نضحي بالثيران!. الصفح والغفران عند الاعتراف بالخطأ ممكن جدًا بلا رقبة، لماذا تمتد الأيدي إلى أعناق الحيوانات؟
كأن من يخطيء، ويذهب بثور معترف بخطئه، يسكن بداخل الثور، كأنه هو، وهكذا تبدو عادة القرابين عن الأخطاء..

الدولة لا تفعل ذلك، صرامة القانون تمنع المؤسسات أن تتصرف تصرف القبيلة، كي لا تخرج من مؤسساتها، بمعنى: إن أخطأت الدولة بحق مواطن لا تحكمه بثور، بالرغم أن العكس ممكناً وإن بدا من مظاهر اللادولة كما هي حادثة 1993 بين الشيخ القبلي ناجي الشائف وحسن مكي القائم بأعمال رئاسة الوزراء وقتها، فبعد مشاداة، اعتدى الشائف بمرافقيه على مكي بالأسلحة، ما أدى إلى إصابة الرجل ومقتل ثلاثة من مرافقيه، وبعد ذلك تم الصلح بجلب الثيران من قبل الشائف وذبحها أمام منزل مكي، ونقل عن عبدالكريم الإرياني قوله وقتئذ ما معناه: ذُبحت الدولة!.

هذا الاعتراف الذي قدمه الشائف لرجل يمثل الدولة، وتلك القرابين، لا تعزز من قوة الدولة في نظر الإرياني، وإنما كان من الضرورة اقتياد الشائف إلى قوة القانون.

الحوثيون يقومون بعكس ذلك، إذ يعرفون بأنهم سلطة أمر واقع في صنعاء وضواحيها، يسيطرون على مؤسسات دولة، غير أن الوعي الملشاوي هو ما يتصرف بهم من الفعل إلى ردة الفعل.

كان القتل لأحد مناصريهم، والسحل والتمثيل بالجثة، عملًا مليشاويًا، وكانت طريقتهم للتعامل مع السخط طريقة بدائية لا يظهر أي مظهر عن دولة، أو بقايا دولة، أو حتى دولة فاشلة، لا إعلان عن محاسبة المخطئ، لا حق عام ولا حق خاص، حتى في القتل الخطأ لا تتم المعالجة بهذه الصورة: الاكتفاء بتقديم القرابين! إذ يرافقها إجراءات ولو شبه صورية في أروقة المحاكم.

جعلهم الجدل على السحل، يقدمون الثيران العجاف للقبيلة التي ينتمي إليها الضحية، وظهر محمد علي الحوثي في مقدمة الصفوف، حتى أن أحدهم علق ساخرًا: يتقلد محمد علي الحوثي رئيس اللجنة الثورية، لأن المليشيا تجعله يقدم الأثوار لأولياء الدم!

قبل أيام قال ناطق الحوثيين، إن قتلهم لحليفهم السابق علي صالح، كان خطأً من أحد المجاهدين، غير أنه نسى أنه لو كانت هناك "ريحة دولة" لحاسبت هذا المجاهد على هذا "الخطأ القاتل"!!.

هل قدموا الثيران لأسرة علي صالح، خاصة وأن الرجل قال بأن هناك تفاهمات مع أسرة الرئيس السابق، إذا ما أخذنا في الاعتبار أنهم أطلقوا أولاده بعد اختطافهم ولم تطلق شباناً كل جرمهم أنهم محررون في مواقع إلكترونية..

وماذا لو فكر الحوثيون بالتكفير عن الدم الذي أراقوه، وظنوا أن الشعب سيقبل بالثيران ليسامحهم؟ سيلزمهم الكثير من الثيران، أليست المتاجرة بالثيران، مشروعًا مجديًا لمن يملك رؤية ثاقبة للمستقبل وينظر للبعيد بعين ثور؟! ستحدث أزمة في الأعياد، لا يكترث اليمنيون لذلك: العيد الكبير يوم توجد لهم دولة.

لو أن جورج أورويل اطلع على نضال الأثوار في اليمن، لاستنطق الثور الهزيل في التهجير الأخير وجعله بطلًا في "مزرعة اللجنة الثورية"، أقصد "مزرعة الحيوانات الثورية".


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية


-->