وقفة مع "منى فاروق"..!

باستثناء "ترامب" كانت الفضائح الأخلاقية سبباً في تدمير حياة الكثير من المشهورين، ساسة، فنانيين، ملوك، رؤساء، شخصيات إجتماعية، كتّاب، الغالبية منهم لم يتمكنوا من مواصلة حياتهم بشكل طبيعي بعد أي حادثة أخلاقية متعلقة بالحياة السرّية للشخص.

قبل فترة نشرت المخابرات المصرية مقطعًا إباحيًا للمخرج المصري الشهير "خالد يوسف" في سياق عملية الإخضاع السياسي التي تستخدمها الدول والمخابرات تجاه الشخصيات المناهضة لها..المقطع أحدث ضجة كبرى، خرج على إثرها المخرج المصري للتعليق على الحدث بكونه إنتقاماً من السلطات المصرية على مواقفه السياسية المناهضة لتعديل الدستور وحملها المسؤولية الكاملة عما لحق به وتوعد بمقاضاتها.

إلا أن التداعيات التي حدثت كانت أكبر من أن يتم احتواءها، وحتى إذا ما كان خالد يوسف _كرجل_تمكن من مواجهة الموضوع بشجاعة بعض الشيء، إلا أنه وبكل الأحوال يصعب الجزم بأنه لم يتأثر وبأنه حياته ستستمر كما هي عليه دون أن تؤثر على مستقبله المهني والسياسي بشكل عام.

إلى جانب ما سبق، وعلى الرغم أن تسريب الفيديو لم يكن يتقصد استهدافهما، إلا أن الممثلتان : منى فاروق وشيماء الحاج، اللتان ظهرتا في الفيديو المسرب جوار المخرج "خالد يوسف" كانتا الأكثر تأثراً على كافة نواحي حياتهما، فبعد انتشار المقطع خرجتا للحديث بشكل منكسر وتحدثا عن حالة الدمار الشامل الذي يشعران به، وبدا أن هذه الحادثة شكلت ضربة حاسمة لحياتهما ومستقبلهما وأكثر من هذا تحطيم نفسي لا يمكن التعافي منه بسهولة.

قبل يومين نشرت الممثلة المصرية منى فاروق، فيديو تتحدث فيه عن حالتها بعد شهور من التسريب الجنسي الذي ظهرت فيه، تحدثت عن حالة الاكتئاب الذي تعيشه ومشاعر الانتحار التي تساورها بسبب حالة النبذ والعزلة المجتمعية المخيفة التي تعانيها منذ حادثة التسريب الشهيرة.

بالطبع، لا يوجد شعور أقسى من إحساس المرء بالنبذ، شعور الرفض المجتمعي هذا يدمر الصحة الجسدية ويدفع الناس للإكتئاب وربما الإنتحار، وكل عوامل المواساة لا تكفي في تجاوز هذا الإحساس الفظيع بالإنهيار..إنه ليس ذنب المجتمع وحده؛ بل خطئية متشابكة سببها تأريخ من الرواسب النفسية والدينية والمجتمعية جعلت من موضوع الجنس موضوعاً للفضيحة الأخلاقية التي لا تُغتفر.

لا شك أن معايير المجتمع العربي مقلوبة، ليست معيارية تحددها وزن القيمة الأخلاقية للسلوك_ بمعيار الدين ذاته_ بل معايير المجتمع الخاصة كما هي في ذاكرته وكما أسهمت عوامل كثيرة تأريخية ودينية في ترسيخها. والأمر لا يقتصر على المجتمعات العربية؛ لكنه يكتسب زخماً مضاعفاً ويتضخم بقدر الاعتلالات النفسية التي تعانيها المجتمعات فيما يخص دوافهم الجنسية وعقدها.

من هذا المنطلق، تكون هذه الحادثة ذات دلالات كثيفة، منها ما هو سياسي ومنها ما هو اجتماعي وحتى فكري، وبكل الأحوال، سيظل "الجنس" أم العقد النفسية التي تتحكم بكثير من انفعالات البشر في الكوكب بشكل عام وفي المجتمعات العربية المكبوتة بشكل أخص، إنها فكرة ثرية تشكل مدخلًا لتشريح كثير من نوازع الكائن وتفسير سلوكياته ومواقفه. والأمر هنا يتخطى موضوع الرغبة الشخصية ليؤثر في المواقف النفسية للناس والمجتمع سلباً و إيجاباً تجاه كل ما يخص فكرة الجنس وأي علاقة ذات صلة به.

هذا ما تدركه الأنظمة التافهة وتحاول استثماره لأهداف سياسية رخيصة، وفي مجتمعات محافظة يزداد هذا السلاح فاعلية حيث يختلط الديني بالسياسي بالمجتمعي وتكون النتيجة ملهاة مفتوحة يجند الناس أنفسهم لتحقيق شهوة الفتك بكل مخلوق قدر له الوقوع في قبضة أنظمة تمارس كل أنواع العهر على مجتمعاتها وتظهر في أثواب الحارسة لأخلاقهم الشخصية والضابطة لسلوكهم المجتمعي الخاص.

كما أن المجتمع يغفر لك كل شيء، ما عدا الموضوع المتصل بالجنس، فحين تشاع عنك حادثة لها علاقة بهذا الموضوع، يمكن القول أن حياتك تحطمت كليًا.

وإن الله يغفر لك؛ لكن المجتمع لا يفعل.

إننا هنا لا نعبد الله، وليست القيمة الأخلاقية الحقيقية والمضبوطة هي من تتحكم بانفعالاتنا، نحن هنا نعبد المجتمع ونتصرف بناء على ما كيّفنا عليه، وتلك هي الكارثة؛ لكأن المجتمع صار إلهًا نخشاه ونتوخاه ونتطلب رضاه أكثر من دفاعنا عن قيم الحياة ووزنها الأخلاقي العام ومدى ما تمثله من اعتداء على مصلحة للبشر أو تجاوز على حقوقهم.

يا إلهي: كيف يجرؤ البشر على تحطيم حياة إنسان بشكل كامل ودفنه حياً والحكم عليه بشكل قاطع ونهائي؛ لمجرد سلوك شخصي فعله ويرى الناس أنه فاحشة كبرى..؟ من نحن لنعاقب الناس هكذا ولا نمنحهم أي فرصة لمعاودة الحياة بشكل طبيعي..؟ ومتى ستتمكن المجتمعات من إغلاق هذه النافذة على الأنظمة السياسية ومنع استثمارها سياسياً لتدمير حياة الناس أو اتخاذها فرصة لتصفية حساباتها معهم.

نحتاج زمناً هائلاً لتعديل انفعالات الناس، تصحيح تشوهاتهم النفسية ووضع الأمور في نصابها وضبط معايير القيم بشكل صحي ونمنح كل حادثة ما تستحقه، بحيث نصب غالبية تركيزنا على كل الانحرافات السياسية المتعلقة بالشأن العام ونمنحها التحشيد الأكبر بدلا من التماهي مع الأنظمة وتوجيه مواقفنا نحو أشخاص_بصرف النظر عن سلامة سلوكهم أو انحرافه_هو لم يؤثر فينا ولسنا في موقف الحاكم بأمر الله لنرسلهم إلى الجحيم.


*مقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->