ضحكة سوداء من ذمار


1. غاب صوت الشعر والأدب عن ذمار .. وارتفع ضجيج المولدات الكهربائية.. اختفت حماسة شباب المنتديات والملتقيات، وصباحيات الشعر وعصريات القصة، وظهرت مقالات السخط والنقد - كهذه التي أكتبها –، ذابت شوارع ذمار، وبرزت كتل القمائم ومخلفات محال التجارة .. ضاعت الأرصفة .. واحتلها الباعة المتجولين .. (!!).


2. ذمار : تكدست .. اختنقت .. انتشرت فوضى أحياء الليل .. وصرعات الموضة الهندية، وسرعة الدراجات النارية المميتة. توقفت ضحكة الأبرياء، وجاءت ضحكة سوداء تنهش وجه الحياة بحثاً عن فرصة العيش بكرامة، وسطّت شهوة المال، وارتفعت أصوات مكبرات البيع لمعلبات العصائر وغيرها مما شارف على الانتهاء .


3. غاب صوت الفن والإبداع. وحده "شداد حُميد" يُـنشد في مقصورة قات يحوي الأصدقاء والجلساء النادرين فيؤثر في دمعتك القريبة من شعر الوفاء للأم التي تستحق العظمة كلها، فأتذكر "أمي" الطاهرة الشهيدة ومباضع أطباء الجهل تقسو على جسدها الصالح النقي.


تهزني كلماته في العمق البعيد، واعترف له بالأداء الوحيد المتفرد، أهرب إلى النارجيلة اللاذعة، وطعم البرتقال يلفح دخانه الكثيف وجه "توفيق" صديقي، فيُـلقي نكاته الخبيثة على جموع الحاضرين وتشهق الضحكات السوداء مرة أخرى .. حزينة منقبضة.


4. هنا "ذمار" .. لا إذاعة .. لا صحافة ..لا عمل .. لا جهد .. لا هواء نقي نستنشقه .. كل ما يُـطمعك في "ذمار" يفقد رونقه يوماً تلو آخر، وتفقد تدريجياً إحساسك بالماء النقي، وبلذة "القات العنسي" تشدك آلاف القصص عن مقبرة "هران" التي سيق إليها جزافاً وصف "الحديقة". تتنفس فيها العائلات أغبرة الماضي "الحميري"، والألعاب اليتيمة تقسو على براءة الطفل وضحكته العالية. يغادر من لعبة إلى أخرى، وهناك عُشاق تحبسهم نظرات الريبة، والعيون الصائدة لحنانهم الجارف، فلا يتدفق شيء، وتنتهي "هران" بحلول العصر. تذوب الشمس في منتهى القاع البعيد .. هناك حيث تلوك أصوات الأذان القريب هدوء الناس فتتسرب الأجساد لصلاة تائهة عن الخشوع المفترض.

 

5. ذمار تولد عند سور الجامعة، وتنتهي بجدار الشرطة العسكرية. في الوسط تُـثمر رصاصات الموت المجاني فسحة من القلق المتناقل في مقائل "العصر"، و من مدرستها الشمسية تُـزف جنائز الموت الكثيرة. وكأن ضمان "الجنة" يبدأ من صلاة الجنازة الشمسية باعتبارها أثيرة ذمار و معلمها الديني المختفي ..!!.


6. ذمار ترتعش عند ظلام الكهرباء اليومي، ويهاتفك عزيز في بهيمة الليل يشكو غرور مدير عام "الإطفاء"- حد تهكمه -، وتنحسر الآهات الحزينة بصيحات الفرح الجذل المرافق لنور المصابيح، فتسكت الأرصفة من ضجيج المولدات، تستكين السعادة .. و تستمر الحياة الجافة من مطر السماء .


7. يفسر البعض هذا الجفاف بعدم تأدية الزكاة لأهلها، و يعزوه آخرين لضحكة القلوب السوداء، و بأن هناك قيادة متوترة على رأس هذه المحافظة العجيبة (!!)، فهذا محافظها الموسوم بـ"النـزاهة" سجلت شعبيته انهيارا متواصلاً .. و تداولت ضحكة مسؤول حكومي وصفه بـ"الجنبية الصيني" (!!).


أما نائبه فسخطه المتكرر يولد حموضة متزايدة بالمعدة ، وهناك مجلسنا المحلي بعضهم مقاولين مكاتب تنفيذية، وآخرين صائدي مناصب فارغة ..!!. المهم من ذلك كله أنهم يستغربون عبس الوجوه الواجمة فلا تضحكنا سوى النكات المعروضة عليهم في سوق أسود يُفرغ أزمة البراءة المفقودة بمدينتي المتناقضة ..!!


8. قبل أيام .. انتهت أسابيع امتحانات شهادة التعليم الأساسي. قسوة المال حرمت الكثير من أساتذة الفصل حق الرقابة الصارمة على تلاميذ وقفوا ببلادة أمام امتحان لا يناسبهم، ولا شيء مما استذكروه طوال العام، فتضطر القلوب المتسامحة لمنحهم هدايا الإجابة في آخر الوقت الـُمرتبك، والأمل في عطف أستاذ "التصحيح" مراعاة الوقت المقابل لبطولة كأس العالم، ولعام غادر أعمارهم الصغيرة بلا تحصيل مناسب أو اعتكاف صادق لمعرفة نتائج يوم الحساب العسير .


9. الخميس هنا فرصة للفئات المهمشة.. يخرجون بأجسادهم السمراء من متجر لآخر "إديني صدقة" ..!! يملكون الآن أعظم مخزون من فئات الصرف المعدنية، وتدهشك صلابة أطفالهم الـُرضّع في حرارة الشمس ورياح الظهر المزعجة.


10. النظر إلى عيون الناس التائهين بعين رجل لم يذق القات يكشف كثيراً من الحزن والتيه والألم المتدفق على سحناتهم الشاحبة.. يغادرون الرصيف المقابل لك .. تشغلهم أشياءاً لا يعرفونها وخططاً وبرامج لا يملكون يد الفاعلية لإنشائها وإقامتها .. يتملكهم الرعب المتخفي من الغد .. والمستقبل .. (!!)


11. تهدأ المدينة ... وتدخل قيلولة العصر وسليمانية الشفق، ثم تبدأ من جديد، وتدنو لنومها عند نشرة التاسعة. ما أضيق مدينتي وما أوسع قيعانها البعيدة .


12. إن هذه المدينة الصغيرة الكثيفة ترجم ساكنيها في مغيب حزين .. ندرة الراحة سبباً في ارتفاع الأمراض المزمنة .. وفي اللجوء لإدمان مخدر يحاول تلوين سوداوية الضحكات المبحوحة، الحياة مُـتحف حيّ في "ذمار" فاقصدوها قبل أن تمتد إليها يد التغيير البعيد.


و .. صباحكم سُـكر
 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك