كان القاضي يوسف صالح فاكهة المجلس إذا كان في مزاج جيد، ويحب أن يردد دائماً أن التعاطي مع كلامه ينبغي أن يتم كما التعامل مع الأشياء النادرة والنفيسة: بحرص وحكمة، خاصة نصائحه اللذيذة على مسامع الشباب وهو ينصح العرسان بالتلطف والرقة، وأن على المرء الاحتفال والاستمتاع بما يرى ويلمس ويسمع وكأنه لا يوجد أحد في الدنيا سواه وعروسه، كان - يرحمه الله - يتوقف أحياناً عن مواصلة الكلام ثم يقترب برأسه ذي اللحية البيضاء من أقربنا إليه ويهمس: اذا ما فيش نسوان ما يفعل الناس؟ ثم ننفجر جميعاً بالضحك، ورؤوسنا تعج بالخيالات الجميلة واللذيذة!
غير أن السؤال الأعمق الذي كان يشغل جارنا القاضي وهو الحافظ لكتاب الله، لا علاقة له بالزواج ولا ما يحب الشباب سماعه، كان سؤاله الأهم يذهب إلى أبعد من ذلك، فهو يتوقف عن الابتسام ويبدو وجهه وكأنه قفز سنة إلى الأمام قبل أن يبدأ بالتمهيد لسؤاله بالتالي: عندما أذهب لصلاة التهجد في العشر الأواخر من رمضان ومثلي ملايين المسلمين، نبكي ونبتهل جميعنا بين يدي الله، أن ينصر إخواننا الفلسطينيين ويخسف بأعدائنا الإسرائيليين، بعد ذلك لا أستطيع مقاومة الانتظار لصباح اليوم التالي لأسمع بخسف الإسرائيليين، غير أني كنت يوماً وراء الآخر استيقظ من النوم بدون أن يصحيني أحد على خبر مختلف، ولا أسمع من نشرة الأخبار في الصباح ما كنت أتوقعه في الليل. ثم يلوح بيده في الهواء ويقلب كفيه ويسأل: "تقولوا يا عيالي، الاسرائيليين ضابطين، ولا كيف؟".
كان يقصد بـ"الضابطين"، قوة النظام. وكان بعضنا يسكت، وبعضنا الآخر يلعن الذين لم يخسف الله بهم، فيما يذهب ابن أخيه إلى رواية قصته الطريفه عن القضية الفلسطينية التي سمعها من رجل في القرية المجاورة يحمل "رادي أبو مراية" يقول: " ان اسحاق رابين قال لياسر عرفات نقسم البيت نصين لك ديوان ولي ديوان والحمام مشترك، لم يوافق أبو عمار ومن يومها وهم يتضاربوا".
توفي القاضي يوسف صالح قبل أكثر من ثلاثة أعوام، ولا يزال سؤاله عن "الضابطين" حاضراً، والغريب أن سؤاله لا يذكرني أبداً بفلسطين، بل يذكرني بالنظام الحكومي الذي لدينا وكم أنه "راخي جداً"، وكم يبدو رجاله غير "ضابطين"، أو بلا ضبطة كما نقول، ولذلك فإن الفوضى التي تعصف بالبلد طبيعية جداً، وتردنا دائماً إلى حكمة الله في خلقه، كما يقول ابن تيمية: " الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة".
استعين بابن تيمية للتأكيد على أن الفكرة السابقة ليست جديدة أبداً، ومع ذلك ستجد من يمتدح حكمة اليمنيين التي لم نجدها طوال العقود الماضية، ويسفه الكلام عن قوة النظام و"الضبطة" عند من نصفهم "بأبناء القردة والخنازير". والقصد أن هؤلاء الاسرائيليين الذين لا نتوقف عن شتمهم ليلاً ونهاراً، هم أفضل منا في أفضل شيء نحتاج إليه في الوقت الحالي، وهو النظام.
أتحدث عن اسرائيل لأنها وردت ضمن سؤال "الضبطة"، ولا أزيد عن ذلك وكان يمكنني الحديث عن أية دولة "كافرة" لأطلب من الذين لا يتوقفون عن شتم تلك الدول، أن يوفروا جهدهم، وينظروا إلى الداخل، في أنفسهم أولاً، ثم إلى من بجوارهم من إخوتهم اليمنيين الذين يتخبطون في الفوضى، ويعجزون على التحول إلى بني آدميين يستحقون أن ينظر لهم باحترام.
أحب دائماً عند الحديث عن قوة النظام الاستشهاد بقصة «برنارد كريك» الذي كان يشغل منصب رئيس شرطة نيويورك صبيحة الهجوم على برجي التجارة في أحداث 11 سبتمبر المشهورة، وأعتقد أن من المفيد للقارئ وهو يرى ويسمع الفساد من حوله أن يعرف قصة هذا الرجل الذي كتب عنها الكثير، ومنهم الكاتب السعودي الدكتور عبد السلام الوائل الذي يقول أن ثمة عناصر ساحرة ومثيرة في سيرة هذا الرجل الأمريكي، فوالداه انفصلا حين كان في الثانية من عمره وأبوه تركه منذ ذلك الوقت. تحولت أمه إلى بائعة هوى وقُتلت حين كان في التاسعة على يد قوادها. ثم تبناه مجرم كان يسيئ معاملته. ومع ذلك نجح في الالتحاق بالجيش حتى أنهى خدمته، ثم عمل في السعودية ضمن طاقم الأمن في مستشفى الملك فيصل التخصصي، ثم عاد إلى بلاده ليخدم في شرطة نيوجرسي مسؤولا عن كل سجون الولاية. ثم ترك العمل المكتبي المريح ليلتحق بشرطة مدينة نيويورك، وهناك تحقق له ما أراد حين قاد عملية «كارتل كالي» حيث قبض على 60 مهرباً للمخدرات و10 أطنان من الكوكايين وصادر 60 مليون دولار لدى العصابة. وحين فاز رفيقه جولياني بمنصب حاكم نيويورك عينه رئيسا لإدارة الشرطة الجنائية. هناك, وضع كريك خطة مشهورة أدى نجاحها إلى تعيينه مديرا لشرطة نيويورك, حيث كان مسؤولا عن قيادة 41,000 شرطي وتسيير ميزانية سنوية بـ «3,2» مليار دولار. "حكاية مثالية كهذه لا يمكن العثور عليها إلا في أمريكا"، كما يعلق بورشغراف في "الواشنطن بوست". لذا, لا غرابة في أن يرى أمريكيون كثر في سيرته تجسيدا للحلم الأمريكي, وهو ما يفسر الإقبال الهائل على شراء سيرته الذاتية.
كريك يقبع الآن في السجن. لقد عامله القاضي بشكل قاس, إذ أمر بسجنه حتى قبل بدء محاكمته ورفض الموافقة على طلب إخلاء سبيله بكفالة مالية باهظة واصفا إياه بـ «المزيج السام من الأنانية والتعجرف». لقد تمت إدانته وحكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات. والسبب بحسب القاضي ستيفن روبنسون: " إن قيام كريك البالغ من العمر 54 عاما باستغلال هجمات سبتمبر من أجل الإثراء والمجد الشخصي يثبت أن روحه ظلامية." روحه ظلامية واستحق السجن لأنه تقاضي رشوة بلغت 250 ألف دولار من شركة بناء كان قد منحها عقدا حكوميا في نيويورك. ودفعت الشركة الرشوة على شكل تحسينات أجرتها على مسكنه.
لا تعليق، غير أن عندي سؤالين أختم بهما: لو سمع القاضي يوسف بحكم القاضي ستيفن هل كان سيترك سؤاله عن "الضابطِين والراخين"؟ السؤال الآخر: من يستطيع فهم الجملة التالية: "اليمن تتسلم رئاسة الشبكة العربية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد".
"حد يا جماعة الخير يهدش لي بعودي قات"!!
المصدر أونلاين



شارك برأيك