بدأت الحكومة المصرية معركة 'كسر عظم' مع حركة الاخوان المسلمين، فبعد مرور بضعة ايام على اعتقال الدكتور عبدالمنعم ابوالفتوح القيادي في الحركة، تصاعدت حدة التوتر بين الطرفين، وانعكست بشكل جلي في الحملة الاعلامية الشرسة التي تشنها الصحف والمحطات الرسمية ضد الحركة ورموزها.
توقيت هذه الحملة، سواء في شقها الاعلامي او الامني، يأتي في وقت تتزايد فيه التكهنات عن قرب تعديل الدستور المصري، وبما يؤدي الى حل مجلس الشعب (البرلمان) واجراء انتخابات جديدة تقلص نتائجها اعداد نواب الاخوان في المجلس، وبما يهيئ الاجواء الملائمة لعملية التوريث. التقارير الاخبارية الواردة من مصر تفيد ان الرئيس حسني مبارك بات اكثر اقتناعاً بترتيب بيت الحكم في اسرع وقت ممكن بسبب تقدمه بالسن، والصدمة التي تعرض لها بسبب وفاة حفيده، وما ترتب عليها من انعكاسات على صحته.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو حول كيفية تعاطي حركة الاخوان مع هذه الحملة الجديدة التي تستهدفها، وما اذا كانت ستنجر الى ساحة المواجهة، مثلما يريد النظام ام انها ستنحني امام العاصفة مثلما كان عليه الحال في المرات السابقة؟
ردود الفعل الاولية من قبل حركة الاخوان وانصارها الكثر في مصر تفيد بأن الخيار المتبع هو اللجوء الى اساليب التظاهر والاحتجاجات في اضيق نطاق ممكن لامتصاص الأزمة وتجنب الصدام. ويتضح ذلك بجلاء من خلال تظاهر مئات الاشخاص امام نقابة الصحافيين، من بينهم بعض افراد عائلة السيد ابوالفتوح، رددوا هتافات مدوية طالت رأس النظام واتهمته بالفساد واذلال البلاد والعباد، والنزول بسمعة مصر الى الحضيض، حتى ان السيد محمود الخضري رئيس نادي قضاة الاسكندرية السابق ذهب الى حد اتهام هذا النظام بـ'الخرف السياسي'.
التوتر بين النظام وحركة الاخوان ليس جديداً، ولكن مرونة قيادة الحركة، وتحاشيها الصدام بكل الطرق الممكنة، بعدم انزال انصارها الى الشارع للانضمام الى الاضرابات والاحتجاجات التي دعت اليها احزاب وفصائل اخرى، جعلاها تتجنب المواجهة، والاستمرار في تعزيز صفوفها في الوقت نفسه.
من الواضح ان المسألة الآن مختلفة كلياً، فالنظام بدأ يشعر ان انشغال العالم باحداث ايران، وتعاطفه مع الاصلاحيين الذين ينتمون الى الليبرالية والطبقة الوسطى في مواجهة الاصولية الاسلامية الممثلة في المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس احمدي نجاد، هذا الانشغال العالمي يبدو فرصة ملائمة لضرب حركة الاخوان من خلال ضرب رموزها وقياداتها، وهذا ما يفسر الاقدام على حملات الاعتقالات الأخيرة التي طالت رؤوساً كبيرة كانت تعتبر حتى الامس القريب من الشخصيات التي تتمتع بحصانة ضد الاعتقال.
النظام المصري قد يقدم على مقامرة كبيرة غير مضمونة النتائج، اذا ما قرر الصدام مع حركة الاخوان، حتى لو كان المناخ العالمي ملائماً، لأن اشعال فتيل الصدام، وفي هذا الوقت الذي تتفاقم فيه الازمة الاقتصادية، وتزداد صعوبات الحياة بالنسبة الى الغالبية الساحقة من ابناء مصر، قد يغرق البلاد في حال من عدم الاستقرار، والقلاقل تزيد من تعقيدات الاوضاع المعيشية، وتهيئ المناخ لجماعات اكثر تطرفاً بكثير من حركة 'الاخوان' تماماً مثلما حدث في فترتي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
محاربة تنظيم الاخوان لا تتم من خلال الاعتقالات والمضايقات الأمنية والحملات الاعلامية، وانما من خلال اتباع سياسات وطنية، داخلية بتحسين الاوضاع المعيشية للفقراء والمحرومين ومحاربة الفساد، وخارجياً من خلال استعادة دور مصر الاقليمي والدولي، والتصدي لمشاريع الهيمنة الامريكية والاذلال الاسرائيلية.
النظام في مصر لن يستمع الى مثل هذه النصائح، لأنه عقد العزم على محاربة الاخوان وحركتهم باعتبارها اقل ضرراً في رأيه، وهو مخطئ كلياً في هذا الاعتقاد.







شارك برأيك