عند تقاطع شارع التحرير مع شارع جمال في مدينة تعز سألت بائع الكتب المدرسية من أين حصلت عليها , فرد بصفاقة: نزلت من السماء. في تحرير صنعاء حاول الباعة منعي من التصوير لدرجة أن أجسادهم وأياديهم كانت تدور مع الكاميرا لتغطية وجوههم والكتب.
أولياء أمور الطلاب يعتبرون الذهاب إلى الباعة أقرب الطرق للحصول على كتب المنهج المدرسي، كونهم لا يحصلون عليه من المدارس , نتيجة تأخر وصول المنهج إليها من المناطق - المراكز - التعليمية , إذ المصلحة الشخصية لباعة الضمير تقتضي وصولها إلى الباعة المتجولين قبلاً , دونما أدنى مراعاة للمصلحة العامة , وبالتالي يقبل الآباء على شرائها بتلقائية.
الشكوى واردة على كل , فالمدارس تتأهب لإعداد قوائم طويلة من كشوفات الكتب المنهجية الناقصة , في كل فصل , والمناطق – المراكز – التعليمية تشكو أيضاً , ومخازن مكاتب التربية تشكو كذلك , ويبدو أن الوزارة والمطابع تعاني الإشكالية نفسها.
لا أحد يدري من يشكو وممن , ومن المسؤول عن ذلك العبث الذي تبدأ رحلته برحلة طويلة للكتاب المدرسي من داخل المطابع لينتهي به المطاف في شوارع مدن الجمهورية , ولتبدأ مع تغييبه عن المدرسة رحلة ضياع أخرى للطالب , لكن الواقع يؤكد أن جيلاً بأكمله هو الضحية الوحيدة للاختفاء القسري للكتب , وأن مستقبل الوطن أصبح مرهوناً بكتاب , إن غاب غابت معه الفكرة والهدف الذي من أجله وجد .
لا شك أن جهات معنية بالكتاب تعلم كيف يصرف وأين يذهب وكيف يتحول مساره الطبيعي ووجهته إلى الباعة، ولا شك أن ثمة مصلحة مشتركة تدفع بهذا الاتجاه. هذا ما يدور في ذهني وأذهان كثيرين, خاصة مع وجود ما يؤيد هذه الفكرة , فخلال الأعوام المنصرمة – رغم الشكاوى وعلم الجهات المعنية ببيع الكتب وضجة الآباء والصحف وإدارات المدارس - لم تتخذ أي إجراءات من شأنها الحد من العبث بالمنهج المدرسي، أو لم تعر تلك الصيحات أدنى اهتمام.
في ميدان التحرير بصنعاء حيث يقع مركز بيع الكتب المدرسية داخل العاصمة يقابلك المشتري بامتعاض، وكأنك تعمل في غير صالحه , لكنه وهو يدفع مبالغ طائلة لشراء منهج أو أكثر لأبنائه ينتابه غضب يلعن على إثره الفساد وسياسة الفيد التي وصل رجعها سلباً على وضع التعليم , ويزيد القهر قهراً أن الباعة يقومون بإخفاء بعض الكتب غير المتوفرة لتباع بعد المفاوضة بمبالغ مضاعفة.
فمن يا ترى في ظل هذا التحدي المعلن لسيادة التعليم ووزارته يحمي قلعة التعليم المتآكلة , وينصب من نفسه حامياً لهرم التعليم الذي يمكن أن يبدأ اندثاره لمجرد إهمال اللبنة الأساس في إقامة صرحه (الكتاب المدرسي)، ويبدأ العمل جدياً لمعرفة طرق التلاعب التي تذهب به من المطبعة - باسم المدارس أو المخازن – إلى بائع التحرير، أم أن الجميع سيبقى يصيح دون حول ولا قوة أمام هذا التحدي كمن يسمع جعجعة ولا يرى طحيناً، ليصدق فينا قول القائل: لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي.







شارك برأيك