لم ير شيئا حوله لأنه كان قد انتقل بكل جوانحه إلى عالم آخر.
حتى وهو يشتري الكاز ويختار بعناية مكان شهادته على زمنه.
حتى وهو يصب الكاز على جسده.
حتى وهو يشعل الفتيل ربما من حريق آخر سيجارة في حياته.
محمد البوعزيزي شاب جامعي من تونس في مقتبل حياته لم يجد عملا فقرر أن يبيع خضار في عربة. يدفعها بيديه وتدفعه أحلامه لكيلا ييأس إلى أن أتى ذلك اليوم الذي قرر فيه محمد أن الأبواب قد صدت أمامه.
طالبته حكومته برسوم الرخصة ولما لم يجد ما يدفعه صادرت شرطة الولاية عربة الخضار.
وعندما التجأ إلى مسئولي الولاية متوسلا الرحمة شاكيا ضيق الحال طردته موظفة حكومية بعد أن رسمت على وجهه صفعة استمدت شرعيتها من النظام كله.
لعله أطلق لعنة على كل الظالمين لحظة أن احترق جلده وهو يركض في الميدان أمام مقر الولاية كالمجنون من الألم. لعل لعنته وصلت إلى السماء بعد أن ترددت في أرجاء الأرض فارضة نفسها.
وربما تسرب الرعب إلى قلب الرئيس التونسي فقرر زيارة الفقير المشتعل قبيل أن يلفظ أنفاسه في المستشفى. هنالك وعد الرئيس شعبه بأنه قد فهمهم.
لكن فات الأوان. تخلى عنه العالم العربي وقبله الغربي بعد أن ثار عليه شعبه.
لعل الرئيس المنفي إراديا زين العابدين بن علي يعيد حساباته اليوم ويحاول تفسير كيف حدث ما حدث وأين ذهب كل الأصدقاء؟ أين كانت فرنسا صديقة الأمس والتي تعتبر ضمنيا الأب الروحي للدول الفرانكفونية عندما بدأت الأمور بالتدهور في العام الماضي؟ ولماذا أغلقت اليوم أبوابها أمام عائلة وأقرباء بن علي وصرحت للعالم بأن "أسرة بن علي غير مرحب بهم في فرنسا"؟
انتفاضة بائع الخضار أطلقت صيحتها من ولاية بوزيد لتمتد إلى الولايات الأخرى. فتستقبلها القلوب التونسية وتتحرك لها الأرجل في مسيرات بالملايين.
اليوم تصرح الحكومات العربية بأنها تحترم "إرادة الشعب التونسي وخياراته".
كيف تجرؤ هذه الحكومات على مؤازرة الشعب في ذات الوقت الذي قلما تهتم فيه نفس هذه الحكومات بإرادة شعوبها وخياراتهم!
هل هذا نوع من آليات امتصاص الغضب لكي تشعر الشعوب العربية الأخرى أن قياداتها أفضل من الرئيس المخلوع؟ أم أنه غريزة النهش في الأجساد الساقطة؟
هل تحاول هذه الدول استرضاء شعوبها بمثل هذه البيانات المساندة "لإرادة الشعب وخياراته"؟
أليس هذا تحديدا ما حاول زين العابدين عمله قبيل فراره من البلاد عندما حل الحكومة وأعلن عن انتخابات جديدة خلال ستة أشهر؟
لم تفِ هذه الوعود بالغرض ولم يصدقها الشعب التونسي الذي قرر أنه قد شبع وعودا وحان وقت العمل. وهنا يكون الدرس الثالث للحكام العرب وهو عدم الاستهانة بذكاء شعوبهم بالوعود التي لا يعنونها حتى وإن كانوا يعنونها فعذرا، قد جاءت بعد فوات الأوان.
مات بائع الخضار محمد متأثرا بجراحه بعد أيام من إشعاله ثورة شعبية. هل انتحر؟ هل كفر؟ أم بجلده المحترق سطر اعتراضه؟
ماذا عن من يموتون كل يوم بهدوء لا يكاد يسمع أنينهم؟
هل يجب أن نحرق أجسادنا لكي يسمعونا؟
المصدر أونلاين



شارك برأيك