الكرسي أو الانتحار

الإجراءات المشينة التي اتخذت بحق الرئيس الفار زين العابدين بن على من قبل الغرب شيء لا يمت لمنطق العقل بصلة وتبعث كثيرا على التساؤل ( لماذا ؟ ) إذ لم يسبق أن عومل زعيما مواليا بهذا الشكل الوقح , كما أنها لم تأت من باب احقاق الحق وإعادته لأهله أ لكون أن ابن على مجرما يجب محاكمته وإنما كانت تلك الإجراءات بمثابة رسائل تهديديه للحكام العرب مفادها أن " اثبتوا أماكنكم واستميتوا وإلا فإن مآلآتكم كمآل بن على " .


لقد تأكد لنا من خلال تمسك الرئيس حسني مبارك – دونما خجل – بالبقاء على الكرسي ولو بقوة الجيش , صدق تلك التكهنات التي تقول أن ما حصل للمستبد بن على من عسف غربي ابتداء برفض استقباله كلاجئ ومن ثم الحجر على أمواله وتعقب أقربائه ومطاردته عبر الانتربول , لم يكن تعاطفا مع الشعب التونسي المظلوم وإنما عتب شديد الوطأة لابن علي ومن باب ((اياك أعني وافهمي يا جارة )) ويبدوا أن حكامنا قد فهموا الرسالة جيدا فليس أمامهم من خيار فكلا الأمرين انتحار , الهروب أو البقاء في مواجهة الشعوب , وخيار مواجهة الشعوب في هذه الحالة أفضل من خزي المطاردات , كونه يعطي الأمل بالبقاء ولو بنسب ضئيلة , لذا نجد مبارك – رغم المهانة التي يتلقاها من الشعب – يرى نفسه وصيا شرعيا على العرش والواقع أنه مكرها لا بطل .


لقد اعتقدنا – خطأ – أن المواقف الغربية إزاء بن على كانت تضامنية مع الحق الإنساني للشعب التونسي في الحصول على حقوقه المدنية والسياسية , بسبب تواني بن على في اجراء الإصلاحات عموما وأنها بذات الوقت رسالة لبقايا الحكام العرب للتعجيل في إجراء الإصلاحات ومصالحة الشعوب , لكن هذا الاعتقاد بات وهما , فالغرب لا يريد للشعوب الحياة قدر ما يهمه حياة الحكومات الموالية وبقاءها لتنفيذ أجنداتها , لذا لم يعلن الأمريكان تضامنهم ( الشكلي ) مع الشعب التونسي إلا بعد حوالي عشرين يوما , وبقوا قبل ذلك يرقبون الوضع الملتهب في صمت مريب , كانوا خلاله ينتظرون من ابن علي استخدام اليد الحديدية في البطش والتنكيل بالشعب , وهو ما حاول ترجمته فعلا عندما أصدر توجيهات المواجهة للجيش الذي فضل مساندة الشعب على مساندة فرد بن على , ما أدى إلى فراره فجأة من تونس , فشكل خروجه صدمة غير متوقعة للغرب وهو الصديق الأفضل تصنيفا بين القادة العرب .


قراءة تطورات المشهد المصري وإعلان مبارك عزل الحكومة , وتعيين نائب أمني له , ورئيس وزراء من الجيش ينبي بأن مالم يكن يضعه الغرب في الحسبان في تونس قد تلافاه في مصر , إنها معادلة الجيش الصعبة التي يسعى مبارك لنيل رضاها من خلال تعييناته , وقد تجدي هذه الوسيلة , - وهي الأخيرة بالتأكيد – ولو لفترة مؤقتة في الحد من التهاب الجماهير .


القلق الغربي والإسرائيلي من القادم المجهول في مصر – أو في أي دولة عربية أخرى – يدفع إلى استماتة مبارك – رغما وتشبثه بالبقاء , وهو الذي يظلل بإمكان سيطرة الإخوان على السلطة , ما قد ينعكس سلبا على أمن إسرائيل الأكثر وجلا وتدفع لتأييد البقاء وإذا نجح مبارك فعلا في البقاء خاصة مع تسريبات تقول أن طيران إسرائيلي يقوم بإنزال معونات أسلحة في مطارات القاهرة لغرض القدرة على المواجهة , فإن بقاءه سيكون رسالة تطمين لبقايا الحكام بإمكان بقاءهم ورسالة للشعوب العربية تعني فشلها في تغيير حكامها .


رسائل الأمريكان التي جاءت على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون , التي تدعو مبارك إلى ترك الشعب يقرر مصيره , مجرد رسائل تومئ بوسطية أو عدالة الرؤية الأمريكية وتعاطفهم مع الشعب المصري وبنفس الوقت تمويهية للدعم الحاصل لمبارك غربيا وخط رجعة للأمريكان إذا ما نجحت الثورة في إخراج مبارك وأزلامه , إنهم يجيدون فن تحريك اللعبة السياسية , وقد دفعوا – باعتقادي – بالبرادعي لركوب موج السخط وتمثيله كبديل أفضل إذا ما فشلت مساعيهم بتعيين عمر سليمان بديلا لمبارك حال رحيله .


لن نسهب لكن لنا أن نتخيل الوضع الوجل لزعاماتنا على ضوء ضغط الثورة الشعبية المصرية والضغط الغربي , وهي تقرأ مصائرها دونما استعانة بقارئ فنجان أو فقيه سياسي أو حتى بصديق , بعد إدراك متأخر لدرجة متناهية لأخطائهم الفادحة في رهن بقاءهم بالتبعية , دونما ترك – ولو – خط للرجعة ( شعرة معاوية ) مع شعوبها , فحكامنا لم ينطلقوا من حاجاتنا , ولكن من خلال حاجاتهم للتربع على رقابنا , والآن يواجهون بواقعية غضبة الجماهير الناقمة وليس أمامهم - من فعل جراء ما حصل لابن على – سوى الانتحار .
 

المصدر أونلاين



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك