في الوقت الذي وقفت فيه الحكومة الأميركية مواقف يمكن وصفها بالجيدة – وإن كانت متأخرة دوماً – من الثورات الشعبية العربية في كل من تونس و مصر ، فإن موقفها المتخاذل والضبابي على المستوى السياسي من ثورة الشعب اليمني لا يمكن فهمه أو تفسيره إلا في إطار العلاقة المشبوهة التي تربطها بعصابة الحكم في صنعاء التي يسرت لواشنطن طوال السنوات الماضية تنفيذ الكثير من التجاوزات الأخلاقية والقانونية على الأراضي اليمنية وضد مواطنين يمنيين وضد مقيمين منهم أميركيين وغربيين تحت ذريعة ما يسمى " مكافحة الإرهاب " ولعل ما كشفته وثائق ويكيليكس كشف جانباً بسيطاً من هذه العلاقة المشبوهة والخارجة عن كل الأعراف الدولية والإنسانية وضداً عن كل المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان ، وهو ذلك التعاون المسئ والمهدر لقيمة اليمن كدولة ذات سيادة وقرار والذي لا يمكن لواشنطن أن تتحصل عليه حتى من أكثر حلفائها ارتهانا لقرارها وتبعية لأمرها على مستوى العالم أجمع .
و لئن كان التغاضي عن هذه العلاقة أو تأجيل نقاشها خلال الفترة الماضية أمراً يمكن تبريره من قبل الشعب اليمني تحت وطئ الهوس العالمي بقضايا الإرهاب فإن مستجدات اللحظة الراهنة وبروز الدور الأميركي في اليمن والمخالف لمواقف من الحالات المشابهة في المنطقة والمتمثل في الدعم السياسي العلني كإعلان البيت الأبيض يوم 12 مارس الداعم لموقف الرئيس اليمني ضد شعبه باسم " الدعوة للحوار و الحث على التعامل الايجابي مع تسمى مباردة الرئيس " وما شكله ذلك من إشارة غير خافية على أحد منحت الضوء الأخضر لعصابة الحكم في صنعاء بعد ساعات فقط - فجر يوم 13 مارس - للتنكيل بالمعتصمين السلميين في كل ميادين الاعتصام بأرجاء اليمن خاصة في العاصمة صنعاء مستخدمة قنابل غاز سام أميركية الصنع ومحرمة دوليا ً نتج عنها حالات اختناق حادة للمئات من المدنيين العزل كما أكد أطباء متخصصون وكما تظهره كمية العبوات الفارغة التي حرزها المعتصمون ونشروا صورها للعالم ، دون إبداء الإدارة الأميركية لأي موقف من ذلك ، وتمادي عصابة الحكم في صنعاء في استئناف هجماتها المدعومة بقوات الجيش وبأسلحة فتاكة وبذات النوعية من قنابل الغاز ، كل ذلك يدعونا كيمنيين لإثارة التساؤلات حول مدى تورط الحكومة الأميركية في قمع الشعب اليمني المنتفض بشكل سلمي وحضاري عبر توفير الغطاء السياسي و الدعم العسكري لعصابة الحكم في صنعاء ، ونجد أنفسنا مضطرين لاعتبار حكومة الولايات المتحدة الأميركية أول دول العالم على قائمة العداوة السوداء والمباشرة مع قوى التغيير الشعبية في اليمن.
تدفعني الدهشة من الموقف الأميركي لطرح عدة تساؤلات، هل باتت عصابة الحكم في صنعاء أهم من أنظمة حكم عربية ساقطة كانت تمثل حليف استراتيجي تاريخي لأميركا كالنظام المصري ؟
وإلى أي مدى أوغلت الولايات المتحدة في علاقتها غير الأخلاقية مع نظام صالح الذي اتهمها علانية بإدارة ما اسماها " فوضى المنطقة " حتى بات ربيبها المدلل حد التواطؤ المفضوح إلى هذا الحد؟
هل يملك صالح من الملفات السرية " القذرة " ما يجبر الولايات المتحدة على تقديم الدعم السياسي والعسكري السريع والصلف كما هو حاصل الآن؟
لعل الإدارة الأميركية مطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى و بشكل عاجل بمراجعة موقفها و توضيح متى وكيف ولماذا وصلت قنابل الغازات السامة إلى يدي نظام صالح ؟ وما نوعيته؟ و ما هي الأدوية الخاصة بمعالجة آثاره ؟ ومطالبة بشكل أقوى بتوضيح موقفها تحديداً من استخدامها ضد مدنين عزل يشهد العالم أجمع على سلمية طريقة احتجاجاتهم ، ما لم فعلى الإدارة الأميركية الشروع في قلقل مميت على كافة مصالحها على الأراضي اليمنية بعد السقوط النهائي والوشيك لحليفها المنفرد ، و ليس من خرافة " تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب " التي أقنعها و ابتزها بها صالح طوال السنوات الماضية ، ولكن من الشعب اليمني هذه المرة .
سعادة جيرالد فايرستاين .. الشعب اليمني هو الوحيد القادر على ضمان مصالحكم وهو الوحيد القادر حتى على الصفح عن ما مضى من حماقاتكم في اليمن وفتح صفحة تعاون جديدة و عادلة .. سعادة السفير وبدون أي لغة ديبلوماسية .. هنا الشعب اليمني.
سقوط صالح Done .



شارك برأيك