غاضب لأن الأمر بسيط

أعرف أن القارئ غاضب، وهو معذور في انفعاله، عنده من الأسباب ما يكفي لينفجر بوجه رئيس البلاد صارخاً: "ارحل". أنا مع القارئ أو مثله: غاضب ومتوتر، لأن هذا الرئيس لا يريد حتى اللحظة أن "يعْذُب الشيطان" ويتنحى، هكذا بشكل بسيط مثل أي موظف في هذه الدنيا يترك العمل ويرحل.


القارئ غاضب لأن الموضوع هو فعلاً بتلك البساطة، لكن الرئيس لا يريد أن يقتنع بذلك، هو يعتقد وأصحابه أنه واقف فوق لغم ناسف، ومجرد أن يرفع قدمه ستنفجر البلاد.


هذه مغالطات ترددت وتتردد الآن في أكثر من قطر عربي، والنتيجة واحدة: هذه الأنظمة إلى زوال، لكن عليها أن تقرر مسبقاً التكلفة التي تريد أن يدفعها الشعب من دمه وثروته، وهي ستفعل خيراً لو اكتفت بما سال في الأيام الماضية أو أهدر على المهرجانات الزائفة.


أنا غاضب لأني أسمع وأرى رجالاً يبدون عاقلين ويطلقون على أنفسهم "محللين سياسيين" ينظرون إلى خروج الرئيس من القصر الجمهوري وكأنه خروج "دابة الأرض" معلنة يوم القيامة، وقيام ساعة اليمنيين، وفي الواقع هم فقط يحللون للرجل بقاءه على الكرسي، مخافة أن تقوم قيامتهم هم لا غيرهم.


أنا لا أستطيع التسامح مع رئيس البلاد، أو النظر إليه باحترام، لأنه ببساطة شديدة يغالطنا جميعاً، وهو يعرف جيداً قبل غيره أن أكثر مخاوف اليمنيين من المستقبل ستتبخر لو أنه تنحى لنائبه، أو من يعتقد أنه صاحب الأيدي الأمينة وأخذ أبناءه وأبناء أخيه وذهب بهم إلى قريته، أو أي مكان آخر.


حياة ومستقبل هذه البلاد لا يتوقف على علي صالح، والانتقال السلمي للسلطة ليس اختراعاً جديداً، ومن بين ملايين اليمنيين سيكون هناك بالتأكيد شخص قادر على إدارة هذه البلاد، أما الذين يقولون "مالنا إلا علي" فهم يؤكدون لنا ما أنتجه عهده البائد من رعاة لا مواطنين، يظنون أن حياتهم متوقفة على رجل واحد.


أتذكر أننا في زمن الدراسة لمناهج العلوم السياسية تعلمنا أن النظام الجيد هو الذي يفرز أكثر من مرشح قادر على رئاسة الدولة، وكلما كانت عملية الانتقال السلمي للسلطة أكثر سهولة وسلاسة دلّ ذلك على درجة عالية من الحكم الرشيد والديمقراطية الحقيقية. الآن ليقل لي أحدكم: في أي مستوى من الديمقراطية يعيش هذا البلد؟


أنا الآن غاضب فعلاً لأني وعلى مدى الأسابيع الماضية أكرر الكلام نفسه، وهو على بساطته وسهولته يتحول إلى "كيمياء" عند البعض، يعني شيء معقد وكلام طويل وثقيل عن الاعتبارات والمؤامرات والأجندات وحميد الأحمر والزنداني والحوثيين والانفصال.


أقول بكلمة واحدة: كل هؤلاء الذين نأتي على ذكرهم يمنيون، وعلينا أن نؤمن ببعضنا ونتعايش على قاعدة المواطنة المتساوية ودولة القانون، ما ينقصنا الآن هو بناء هذه الدولة لتحقيق هذه المواطنة، بس فقط لا غير.


أما كيف؟ فلدينا أهداف للثورة ومطالب لها بحسب بيان "شباب الثورة الشعبية"، وأرجو من القارئ أن يعود إلى هذه الأهداف وتلك المطالب، حتى يطمئن، ثم يقف إلى جانبها إن كان حريصاً فعلاً على مستقبل البلاد.


لكن اللحظة الحالية هي لحظة "التنحي"، لحظة هدم الجدار المسدود في اتجاه بناء يوم الغد وبعده، هذا هو شعار هذه الساعات والأيام، ولا يمكن لليمنيين أن يستشرفوا المستقبل أو يخططوا له بدون هذه الخطوة الأولى. وهذه الخطوة يدرسها ويبحث فيها الرئيس وأصحابه والمعارضة وحلفاؤها، الجميع مدركون أن ساعة الرحيل قد حانت لكن الاختلاف في الطريقة والوقت.


لكن تأملوا ما يحدث.. لا يزال البعض من أنصار الحزب الحاكم ومؤيدي الرئيس يسبحون عكس التيار، ويحاولون بجهل إبقاء الوضع على ما هو عليه، ما يعني الإبقاء على الأزمة، ويتحدثون عن الشرعية الدستورية وينسون أن ما تعطل في هذا البلد يجعل الشرعية الحقيقية تذهب لصالح الثورة، أي الشرعية الثورية، ومن يريد أن يتأكد عليه أن يتذكر أنه لدينا حكومة مقالة ويعجز الرئيس عن تشكيل أخرى، ولدينا مجلس برلماني فقد شرعيته التي فقدها أصلاً في إبريل 2009 وظل يقتات على شرعية اتفاق فبراير الذي انتهى بانطلاق الثورة الشعبية، ولدينا أيضاً انشقاقات في الجيش واستقالات بالعشرات لأبرز رجال السلطة التي كانت قائمة.


أنا غاضب لأن اليمنيين سمحوا لأنفسهم طوال هذه السنوات بحكم الرجل الواحد، وهم الذين حاربوا وقاتلوا ضد الحكم الفردي، وعندما نطلب من الرئيس أن يترك لليمنيين تقرير مستقبل هذه البلاد يهددنا بالحرب الأهلية.


الرئيس لا يزال "يغالط" الخليجيين، ويشتم المعارضة، ويتهم المعتصمات في شرفهن، ويقلل من شأن الشباب الغاضب منه أصلاً. والمشكلة أنه لا يريد أن يتوقف عن الخطابة وإلقاء التهم بوجه غاضب محتقن، وهو فوق ما يفعله بمن يستمع له مستمر في نهب المال الذي يفترض بالقارئ أنه ثائر لأجل وقف هدره وتبديده.


القارئ إن لم يكن غاضباً فهو بالتأكيد يشعر بالقرف، فكل ما يأتي من السلطة هو على شاكلة مياه المجاري التي قذفتها خراطيم العربات المدرعة في وجوه المعتصمين مساء السبت الماضي. شيء كريه يشبه روائح الفساد تماماً، وكل إناء بما فيه ينضح.


سؤالي البسيط: "لماذا لا يتنحى وخلاص؟" وإن كان يصعب عليه أن يترك الذين يهتفون باسمه في ميدان السبعين، فلماذا لا ينتبه للآخرين في ساحات وميادين الاعتصام وهم أضعاف من يحتشدون إلى صنعاء كل يوم جمعة لساعات ثم يغادروا. الأهم أن الرجال المحترمين والمسؤولين الحقيقيين في بلاد الله الواسعة لا يقيسون مقدرتهم وكفاءتهم في البقاء في الحكم أو على كرسي المسؤولية بحسب من يهتفون لهم، وإنما بحسب من يعترض عليهم، ولو كانوا قلة.


ثم كيف يمكن لرجل عاقل في هذه البلاد أن يثق برجاحة عقل إخوانه اليمنيين حين يرددون شعاراً واحداً وهو "الشعب يريد علي عبد الله صالح"، طيب يا جماعة الخير فضحتونا الله يهديكم، لا يوجد من يطالب ببقاء أشخاص هم أصلاً في الحكم منذ ثلث قرن. حتى لو كانت هذه البلاد مثل سويسرا أو فنلندا بنظامها وتطورها، من المعيب أن نهتف بأسماء أشخاص، فكيف لو كان هؤلاء الأشخاص من تسبب لنا ولكل هذه البلاد بكل هذه المحن العذابات.

 

المصدر أونلاين
 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك