يقرأ اليمنيون خطابات الرئيس صالح بطريقة معكوسة، وقد أثبتت الأيام صحة هذه النظرية، فإذا دعا إلى حماية المعتصمين ينتظرون مجزرة تحدث، وإذا طالب التجار بتخفيض الأسعار ترتفع أسعار السلع اليوم التالي، وإذا وجه بمحاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين يدركون أن صانع القرار على وشك إبرام صفقة لنهب المال العام، وأن فاسدين من العيار الثقيل ينتظرون قرارات جمهورية لمناصب رفيعة وحساسة..
وعندما قال إنه سيتعامل مع المبادرة الخليجية بإيجابية أيقنوا أنه لن يوقعها، والغريب أن توقعاتهم لا تخطئ، وهكذا تعاملوا مع خطابات وتوجيهات القيادة السياسية خلال ثلاثة عقود من حكمه، واستطاعوا من خلال هذه الطريقة التنبؤ بعدد من القرارات بواسطة هذه الشفرة الرئاسية..
الأسبوع الماضي رفض الرئيس التوقيع على المبادرة الخليجية ثم أطل على فضائيته بخطاب يحذر من جر البلاد إلى حرب أهلية فعرف المواطنون أن (الجمالي) قد إتخذ قراراً بذلك، وما هي إلا أيام حتى اندلعت المواجهات بين قوات النظام وأولاد الشيخ الراحل عبدالله بن حسين الأحمر، وكادت أن تقود إلى حرب أهلية لولا أن الوقائع على أرض المعركة قلبت موازين النظام فاستنجد بالوساطة لإيقاف المواجهات..
استخدم الرئيس في الهجوم على منزل الأحمر ورقته الأخيرة بعد أن استنفد كل أوراقه، والتي طالما هدد بها الداخل والخارج مراراً وهي الحرب الأهلية للبقاء فوق الكرسي، وكانت المفاجأة أنه خسرها بعد إن إدخرها لوقت الشدة كسابقاتها، فخلال يومين إستطاع أتباع الشيخ صادق الأحمر صدّ الهجوم الذي إشتركت فيه قوات الأمن والنجدة والحرس الجمهوري والجوية، وسيطروا على ثمان وزارات واقعة في حي الحصبة وما جاورها (الداخلية والصحة والإدارة المحلية، والتربية والتعليم، والكهرباء والسياحة والإتصالات والصناعة) بالإضافة إلى مبنى اليمنية ووكالة سبأ للأنباء وكانوا في طريقهم إلى مطار صنعاء لولا توقف المواجهات!!
بمعنى سقطت نصف الحكومة تقريباً وحوالي ثلث العاصمة في يومين وعلى يد مرافقين لا يتجاوزون المئات، وبأسلحتهم الخفيفة كشفوا عورة النظام الحاكم وتأكد الجميع أنه نمر من ورق ولن يصمد طويلاً في حال دخل مواجهة مسلحة، وعليه أن لا يخوفنا ويهددنا بهذه الورقة بعد اليوم..
لقد أغرت المواجهات بين الدولة وأبناء الأحمر الكثيرين لإتخاذ خيار السلاح في إسقاط النظام، وتمنى آخرون لو كان أنصار الأحمر أكملوا المهمة التي لن تطول إطلاقاً وسيطروا على بقية الوزارات وأسقطوا النظام، وكفوا الثوار شر القتال، ورعى الله من تجمل خصوصاً بعد أن فشل المسار السياسي في إزاحة صالح عن السلطة بتعليق المبادرة الخليجية، وبعد أن طال المسار السلمي المتمثل في الثورة الشعبية في ظل القتل بالتقسيط المريح..
لا نراهن على المبادرة الخليجية لأن الرئيس لن يوقعها، وإذا وقعها لن ينفذها وإذا نفذها لن يقدم إستقالته، ومن الصعب الإنتظار أربعة أشهر قادمة كي تؤتي الثورة السلمية ثمارها لأن اليمن على شفا الإنهيار، وكل يوم يمر يدفع الوطن الثمن غالياً من أمنه وإستقراره وإقتصاده وأوضاع الناس..
نحن أمام رئيس لا يعبأ بما حوله ولا يتحلى بأي قدر من المسئولية، ومستعد للبقاء في دار الرئاسة على دماء وأشلاء المواطنين والوطن، وكل التحليلات تؤكد أنه لن يرحل بسلام وأن المواجهة المسلحة قدر لا مفر منه، فلماذا ننتظر انفجار الوضع ووقوع الفأس على الرأس؟!
سلمية الحراك الجنوبي لم توصله إلى طريق منذ 2006م وكان دوماً يقدم شهداء، سقط بعضهم أثناء تشييع شهداء سابقين، وعندما انحرف مسار الحراك الجنوبي مؤخراً باتجاه العنف شرعت الدولة بتلبية مطالبهم والإعتراف بقضيتهم، وخرجت قيادات رسمية تدعوهم للمحافظة على سلمية حراكهم وهي التي لم تسمح لهم بتنظيم مظاهرة واحدة..
وأذاق الحوثيون السلطة سوء العذاب عندما لجأوا للسلاح، وكانت قيادات الدولة تعيب عليهم ذلك، وتدعوهم إلى إنشاء حزب سياسي وتقديم مطالبهم عبره لكنهم كانوا يدركون أن الأحزاب صارت عديمة الجدوى..
وفي تونس لم تنجح الثورة إلا بعد أن وصل المتظاهرون شارع وزارة الداخلية، الخط الأحمر بنظر نظام بن علي، وفي مصر لم يتنح الرئيس مبارك إلا عندما بدأ الشباب بالزحف نحو قصر العروبة، ونحن في اليمن لن نكون إستثناءً، فالمشير صالح صعد إلى السلطة بالقوة، وما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة وهي اللغة التي يفهمها، ولنا في إختطافات القبائل عبرة، وحينها ستخرج أبواق النظام تؤكد وقوفها مع مطالب الشعب والثورة شرط سلميتها وتستنكر تحولها إلى العنف، متجاهلة أنهم اضطروا للسلاح بعد أن ضربت بسلميتهم عرض الحائط وتمت مواجهة تصعيدهم بالرصاص الحي، وإلى متى ستظل صدورنا مفتوحة لنيران صالح وبلاطجته؟!
خيار السلاح صار هو المتاح والأسهل، وسيحقق النتيجة المطلوبة بأقل الخسائر وبأقصى سرعة، وسيجنب البلاد الشرور المحققة جراء بقاء هذا الجنرال، ولتكن البداية في إسقاط بعض المحافظات والأخرى ستأتي تباعاً وستكون مقراً لمجلس أعلى لقيادة الثورة، وستتداعى دول العالم لتقديم الدعم اللازم، والإعتراف بشرعية المجلس على غرار ما حدث في ليبيا، فالعقيد القذافي والمشير صالح وجهان لعملة واحدة..
السيف أصدق أنباء من الكتب، والسلاح أمضى من السلم والحوارات العقيمة والمبادرات الهزيلة، وسندرك حينها أننا كنا مخطئين في تقديراتنا، ولو كنا نعلم الغيب لما مكثنا تحت حكم صالح..
سيسقط النظام سريعاً في أي مواجهة مسلحة لأنه يفتقر للتمويل الخارجي، ولا يملك أدنى شرعية للقتال تحت رايتها وكل من حواليه من البلاطجة لن يبقوا معه ساعة كونهم أدرى بضعفه وحتمية خسارته، ولا أحد لديه إستعداد لدفع حياته ثمناً لفرد، وسنفاجأ بانشقاقات متتالية لمن تبقى في صفوف الجيش والحرس الجمهوري الذي يراهن عليه، فقد اكتوى كل الشعب بناره ولا داعي للخوف من إنزلاق البلد إلى الحرب الأهلية..
على الثوار أن يدرسوا خيار السلاح لإسقاط النظام للتعجيل بالنصر، فالنظام أضعف مما تتصورون ولن يقوى على أي مواجهة مسلحة، وستذكرون ما أقول لكم.
*رئيس تحرير صحيفة الناس



شارك برأيك