الرئيس بين ثلاثة خصوم وعُقدة نفسية

الرئيس صالح يعرف أنه يقاتل بسيف من خشب ومدفع من ورق، ويعرف أنه ليس أكثر من "أسد مفرشة"، لم يعد لديه حتى ما يدفع به الشر عن نفسه، فالجيش أصبح معظمه مع الثورة، أو تابع لقيادة اللواء علي محسن الذي آثر بقاء الوطن ومصلحة الشعب، على بقاء صالح ومصلحة الأسرة الحاكمة.

 

فمن دون أن يعلن الإعلام الرسمي حتى لا تنكشف عورة النظام تم الإعلان عن تعبئة عامة في الحرس الجمهوري، عن طريق المحافظين والسلطة المحلية وكبار الضباط في الحرس والأمن القومي ورموز "البلطجية"، وتم تحشيد أكبر قدرٍ من الشباب العاطلين عن العمل وضمهم إلى صفوف ومعسكرات الحرس الجمهوري، وخلال فترة لا تزيد عن أسبوع يتم تدريبهم على استخدام السلاح والقاذفات، ثم القذف بهم كوقود في معارك صالح مع شعبه، ومن يتصور أنهم طامعين في سلطته وإرث تركته.


وهذا ما يدفع بالرئيس صالح إلى اتخاذ سلوك القذافي، والسير على دربه في استخدام كافة أنواع الأسلحة، واللعب على كل الحبال والأوراق الأمنية والدينية وابتزاز العالم بالقاعدة والإرهاب، وتخويف الشعب بالحرب الأهلية "من طاقة لطاقة"، والصوملة والعرقنة، وتقسيم الوطن إلى دويلات في حال مغادرته الحكم، بوصفه "صمام أمان" الوطن، كما يسمي نفسه، لتقول الوقائع والقرائن والشواهد كلها إن بقاء صالح في الحكم يعني بقاء "الفتيل" في القنبلة، وإخراجه من الحكم يعني نزع فتيل الفتنة والحرب الأهلية والتمزق.


لطالما خطب صالح وكرر أن الوحدة عمدت بالدم، دون وعي أو تعقل بأن ما يعمد بالدم هو القتل والدمار والخراب، وأن الوحدة اليمنية هي إرادة شعب عمدت بالتوافق والإرادة والحوار والديمقراطية، وأن ما حصل في 22 مايو 1990 كان توقيعاً على إتفاقية وحدة اندماجية بين طرفين ونظامين سياسيين مختلفين لبيا مصالح وتطلعات شعب فرقته السياسة، ووحدته كل العوامل الأخرى.


ولعل صالح يقصد أن الوحدة عمدت بالدماء التي أراقها في حرب صيف 1994، والدماء التي أسالها عند تصفية الخصوم السياسيين من ماجد مرشد إلى جارالله عمر ويحيى المتوكل ومجاهد أبوشوارب وعبدالعزيز السقاف وعبدالحبيب سالم ومحمد الربادي...وصفى وأزاح كل المحتملين والمفترضين لخلافته، وأطمئن على بقاءه رئيساً لليمن الموحد، يمكنه التوريث حتى لو سالت كثير من الدماء.


للرئيس اليوم سيناريو وحيد بأوجه عدة، فالرجل يعرف أن رحيله عن الحكم ليس أكثر من مسألة وقت، وأنه عاجلاً سيغادر كرسي الرئاسة، غير أن لكبرياء الحكم وشهوة التملك تبعاتها، فهو يريد أن يترك وطن غير صالح للبقاء، أو الحكم، وطن يحتاج إلى سنوات طويلة للتشافي والعودة إلى الحياة الطبيعية، وربما توافقت هذه الرؤية "الخبيثة" مع رغبة سعودية خالصة، حيث لا يريد آل سعود قيام دولة يمنية مدنية حديثة، قادرة على النهوض والاستقرار والتنمية، قريبة من حدود دولتهم حتى لا تكون محفزاً إضافياً لغليان سعودي شعبي، يظهر بين حينٍ وآخر متذمراً من إدارة وتصرفات الأسرة الحاكمة.


والسيناريو الذي ينفذه الرئيس صالح في هذه اللحظات العصيبة، لا يخرج عن مشاريع تصفية للخصوم، وتخلصاً من عقد نفسية وشخصية بأكبر قدر ممكن، وهذا يتضح من خلال تعامله مع ثلاثة خصوم وعقدة شخصية واحدة:
يتمثل خصم الرئيس الأول في اللواء علي محسن قائد المنطقة العسكرية الشمالية الغربية وقائد الفرقة الأولى مدرع التي تمتد في أكثر من 20 معسكر يتوزعون في عموم المحافظات الشمالية والغربية، وهو الجنرال الذي يدين معظم قادة الجيش بالولاء له، وكثيراً ما يصنفون بأنهم من رجالاته، فضلاً عن علاقات ود متينة تربطه بشيوخ القبائل والسياسيين، وقادة المعارضة والدبلوماسيين اليمنيين. وللرجل –أيضاً- صلاته المتينة مع زعماء وقادة دول الخليج، خاصة السعودية التي تعتبره واحداً من أهم حلفاءها في اليمن.


وراودت الرئيس صالح رغبة جامحة في التخلص من اللواء محسن، بدأت مع بروز الأخير كقائد ميداني استثنائي في حرب صيف 1994م، وجرت أول محاولة اغتيال له في بوابة دار الرئاسة منتصف العام 1995، ثم لحقتها محاولة وضع خلل فني في سيارته أدت إلى انقلابه في قاع الغيضي غرب صنعاء في 1996، ثم لحقتها ثلاث محاولات اغتيال خلال حرب صعدة الممتدة بين (2004 – 2010)، إحدى تلك المحاولات زودت الطيران الحربي السعودي بمعلومات مظللة عن مكان تمركز قيادة الحوثيين، ليتبين لاحقاً أنه مقر قيادة المنطقة العسكرية الشمالية الذي يتواجد فيه اللواء علي محسن، وقد كشفت وثائق ويكليكس تلك الخديعة بتفاصيلها.


وحين قرر اللواء محسن الوقوف إلى جانب شعبه، والانحياز إلى خيار الشباب في ثورتهم وأعلن تأييده للثورة السلمية في 21مارس الماضي، اهتز عرش الرئيس صالح، وكاد أن يسقط ذعراً، بعد أن توالت بيانات التأييد للثورة من قادة عسكريين وأمنيين وسياسيين ودبلوماسيين.


ولم يكن في أجندة الرئيس حينها غير المكر، فقرر اغتيال اللواء محسن عبر لجنة وساطة من أبناء قريته وقبيلته مكونة من 3000 عضو شخص بينهم شقيقه الأكبر محمد محسن صالح، ووصلت اللجنة إلى بوابة الفرقة الأولى مدرع بغرض إقناع اللواء محسن بالعودة إلى صف "الشرعية الدستورية"، وموالاة الرئيس صالح.


وما كادت اللجنة تقف عند بوابة الفرقة المدرعة ومقابلة قائدها حتى باشرها المندسون من الخلف بوابل من الرصاص في محاولة لاغتيال اللواء محسن، وباءت العملية بالفشل واقتنع الجميع أنها مكيدة من الرئيس صالح، واعترف هو بذلك، بموجب تحكيم عُرفي لأبناء المناطق التي ينتمي إليها شيوخ لجنة الوساطة، وتقديم رسالة اعتذار لهم.


ثم أن اللواء علي محسن ظل حجر عثرة أمام أي مشروع توريث للسلطة، وكان عاملاً مهماً في تحريض قادة الجيش ضد فكرة أن يتولى الشاب "المراهق" أحمد علي رئاسة الجمهورية خلفاً لأبيه، لأسباب أولها؛ سوء تعامل العميد أحمد مع من حوله من الضباط والسياسيين.


ويحل آل الأحمر ثانياً في سيناريو الرئيس التدميري قبل رحيله، فهو يعتقد أنهم يستقوون عليه بقبيلة حاشد، التي طالما أفزعته، وأخرجت عُقدِه، فتركيبة الرئيس صالح النفسية والقبلية جعلته على الدوام يشعر بعقدة النقص تجاه شيوخ القبائل، مرة بتقريبهم وإعطاءهم الأموال والمناصب والمنح، ومرة بمحاولة إذلالهم وتصفيتهم، إذا ما شعر بإهانتهم له، وقدرته عليهم.


وكثيراً ما استفزت الرئيس صالح تصريحات حميد الأحمر، الذي يتكثف حضوره في ذهنية الرئيس كبديل محتمل لتولي الرئاسة، لأسباب من المؤكد أن انتماءه القبلي في صدارتها، حيث يعتقد الرئيس أن قبيلة حاشد هي الكفة الراجحة في اختيار رئيس اليمن القادم، فضلاً عن حضور حميد السياسي، من خلال عضويته في قيادة التجمع اليمني للإصلاح، واللجنة التحضيرية للحوار الوطني، ووفرة المال لديه وترأسه لمجالس إدارة عدد من الشركات، جعله يتمكن من التحرك على أكثر من صعيد سياسي واقتصادي واجتماعي وقبلي.


ومن المؤكد أن الرئيس صالح - وطبقاً لمعلومات جلساءه - اشتكى كثيراً من نفوذ حميد الأحمر وتصريحاته الإعلامية الجريئة، واعتقاد الرئيس الدائم أن حميد الأحمر هو المحرك الفعلي لساحات التغيير، وثورة الشباب خاصة في العاصمة، من حلال ما ينفقه عليها من أموال.


ويتولى حسين الأحمر رئاسة مجلس التضامن الوطني الذي يضم جمع كبير من شيوخ اليمن المؤثرين، ويتصدر الشيخ صادق الأحمر هرم قبيلة حاشد خلفاً لأبيه.


وهذه أسباب جعلت الرئيس صالح يفكر جاداً في التخلص من آل الأحمر، أو على الأقل إرهاقهم بأكبر عدد ممكن من الخسائر البشرية والمالية والعقارية، والحط من هيبة والدهم الشيخ الراحل عبدالله الأحمر من خلال نسف بيته بالصواريخ والقاذفات.


تكتل أحزاب اللقاء المشترك المعارض وتحديداً حزب الإصلاح، هو العدو الثالث في أجندة الرئيس صالح، صحيح أنه لم يتمكن من تصفية أياً منهم، وأفصح عن ذلك في لقاء تلفزيوني اعترف فيه بعدم قدرته على التواصل معهم أو "معرفة أين يختبئون"!!.


وتمسك قادة المعارضة بخيار سلمية الثورة يكشف أوراق الرئيس صالح لأن كل أصابع الاتهام لن تشير لغيره، وبالتالي يمكنه – وبدهاءه المعروف - أن يغتالهم سياسياً من خلال تدمير أكبر قدر من المنشآت والمرافق العامة الحيوية، والبنى التحتية، وربط أجندتهم المستقبلية بتعقيدات كبيرة لا تمكنهم من عمل شيء، يبرز نجاحهم على الأقل خلال الثلاث أو الخمس السنوات الأولى من توليهم حكم البلاد.


وحالياً استنزف الرئيس صالح كل ميزانية البنك المركزي والاحتياطي النقدي لليمن وأغرق البلاد بمديونيات دولية هائلة مقارنة بقدراتها ومواردها، وتقصف قوات صالح محطات الكهرباء في مأرب، وعدد من الوزارات الواقعة في حي الحصبة حيث تدور رحى المعارك بين قواته الخاصة وأنصار آل الأحمر، ويضرب المعسكرات المؤيدة للثورة، ويعلن عن توظيف 60 ألف خريج في بلد يعاني أصلاً من "البطالة المقنعة"، فآلاف الموظفين يستلمون رواتب دون تأدية مهام لأن المنشآت التي يعملون فيها أصغر وأقل قدرة في استيعاب كل موظفيها، وهذا الرقم الفلكي في استيعاب 60 ألف موظف لا يمكن اعتماده، وكذا يصعب التراجع عنه، خاصة وأن الأسماء قد أعلنت رسمياً، وبالتالي سيضع ورثة الحكم الجدد في مأزق مع شباب عاطل، انتظر كثيراً قيام دولة تستوعب قدراته.


وتبقى عُقدة الرئيس الجامحة التي طالما حلم بالتخلص منها، هي "تعز"، المدينة التي عمل فيها مديراً للأمن منتصف السبعينيات، ومنها مباشرة إلى كرسي الرئاسة.
تعز.. الملقبة بـ"الحالمة"، وعاصمة الثقافة في اليمن، رأى الرئيس في أهلها عُقدة الثقافة والنجاح والمدنية والقدرة على التفاعل مع معطيات العصر، والحضور والفاعلية والتأثير في كل مكان حلوا فيه، وما من محافظة في اليمن أو مرفق حيوي إلا كان أهل تعز هم "الدينامو" الفاعل فيه.


ورجل مثل الرئيس صالح لم ينل نصيباً من التعليم أو الثقافة، ولديه نزعة للتفرد والتسيد في كل شيء، جعله يرى في أهل تعز مصدر قلق في توعية الناس أو دفعهم نحو التغيير، وطالما اشتكى أن منتقديه في الصحافة والإعلام ومنابر التنوير هم من أبناء تعز، وحاول كثيراً تقديم أبناء تعز المسبحين بحمده لوسائل الإعلام خلال الأزمات، ولا أحد يتصدر وسائل الإعلام والمؤتمرات الصحفية مدافعاً عن الرئيس في السنوات الأخيرة غير الدكتور العليمي والبركاني وعبده الجندي، وثلاثتهم من أبناء تعز...


والشواهد عديدة ودالة على عُقدة صالح من "التعزيين"، وقد تواترت أخبار مؤكدة أن صالح شتم وغضب كثيراً حين فاز بقيادة نقابات الصحفيين والمحاميين والأطباء والمهندسين والمعلمين مهنيين من أبناء تعز، لأنهم أكثر قدرة في التأثير والفاعلية والسعي نحو التغيير والتخلص من رئيس متمسك بالسلطة والسلاح والفساد.


وتذكر معلومات مؤكدة أن الرئيس صالح يشتعل غضباً حين تزوده التقارير بأن الفاعلين في ساحات التغيير بصنعاء والحديدة وإلى حدٍ ما عدن ومأرب هم من أبناء تعز، لذا قرر كسر شوكتهم، و"غزوهم" في حصنهم وعقر دارهم ، واقتحم ساحة الحرية بتعز الأحد قبل الماضي في مشهد "نازي" مروع، شاركت فيه الدبابات والمصفحات والرشاشات برصاصها الحي، وقنابل غاز الأعصاب ومسيلات الدموع، وقتل في "المعركة" 57 معتصم سلمي، وجرح أكثر من 400 واختطاف جثث وجرحى بالعشرات، حتى أن خيمة المعاقين لم تسلم، وتم جرفها وبداخلها 12 معاقاً معظمهم قتلوا.


كانت المدرعات تقتحم المخيمات، والجرافات من الخلف تجرف خيام المعتصمين، وفرق القوات الخاصة تقوم برش المحروقات وإشعال النيران فيها، وصولاً إلى المستشفى الميداني وإحراقه بالكامل وقتل أحد الأطباء، وخطف عدد منهم، ثم قصف ونهب مستشفى الصفوة الواقع في نفس المكان، وقصف وإحراق "فندق المجيدي" الذي يتواجد فيه الصحفيين، واختطاف مجموعة منهم.


كل ذلك ليصفي الرئيس صالح حسابات قديمة مع تعز قبل رحيله المنتظر.
 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك