اليمن أمام 3 خيارات

بعد شهر على غياب الرئيس علي عبدالله صالح، الذي تعرض لهجوم داخل مسجد دار الرئاسة في العاصمة صنعاء في الثالث من شهر يونيو/ حزيران الماضي، ومرجل الأزمة يغلي أكثر فأكثر، فأطراف الأزمة لا تزال تنتظر التسوية الممكنة للخروج بالبلاد من الوضع الذي تعيشه اليوم، بخاصة مع بروز تعقيدات جديدة على المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، إضافة إلى بروز نقص عام في الخدمات العامة مثل الكهرباء والمياه والمشتقات النفطية، والتي أظهرت مخاوف من أن تتحول إلى وسيلة من وسائل المواجهات بين الناس، الذين صاروا يقفون بالساعات والأيام أمام محطات البترول للحصول على حصصهم من النفط ليتمكنوا من تسيير حياتهم بشكل أفضل .

 

يبدي الكثير من المراقبين في الداخل والخارج قلقاً كبيراً مما يحدث على الساحة اليمنية، فخروج الرئيس صالح ورؤساء المؤسسات التشريعية والتنفيذية للعلاج في المملكة العربية السعودية بعد حادثة جمعة الثالث من يونيو/ حزيران، لم يخفف من حدة الأزمة التي انتقلت من العاصمة صنعاء إلى المناطق الجنوبية من البلاد، بما فيها تعز التي صارت تشهد معارك يومية، وهي المعارك التي تدور بين قوات الحرس الجمهوري والمؤيدين للثورة .

 

وفي أبين تدور منذ أكثر من شهر معارك أكثر شراسة بين قوات من الجيش والجماعات المسلحة، التي تقول السلطات إنها تتبع تنظيم “القاعدة”، على الرغم من أن تنظيم القاعدة لم يتبن حتى الآن هذه المواجهات، بخاصة وقد عودنا التنظيم على إعلان تفاصيل مواجهاته مع النظام اليمني خلال الفترات الماضية، بخاصة تلك المواجهات التي دارت العام الماضي في منطقتي لودر وجعار بمحافظة أبين، إضافة إلى المواجهات في محافظة شبوة .

 

جمود سياسي وتصعيد شبابي

طوال الشهر الماضي، وعلى الرغم من التحركات السياسية داخلياً وإقليمياً ودولياً في محاولة لإنهاء الأزمة المستفحلة في البلاد، إلا أن هذه التحركات لم تفض إلى حلول واضحة وجلية، فالأطراف الإقليمية والدولية لم تجد الوصفة الناجعة لأزمة الثقة بين السلطة والمعارضة، كما أن نائب الرئيس عبدربه منصور هادي لم يحسم أمره في موضوع نقل السلطة إليه من الرئيس صالح، والتي تطالب بها المعارضة وحتى أطراف دولية من أبرزها الولايات المتحدة الأمريكية التي دعت أكثر من مرة إلى استغلال غياب الرئيس صالح عن المشهد والبدء الفوري بنقل السلطة إلى هادي .

 

وكان الكثير يرى في لقاء هادي مع المعارضة بعد نحو أسبوعين من غياب صالح مؤشراً لحلحلة الأزمة، إلا أن الرجل عاد وأكد في مقابلة مع شبكة ال “سي إن إن” أنه يمارس مهامه وصلاحياته كنائب رئيس، وسيظل هكذا لحين عودة الرئيس صالح من رحلة العلاج في المملكة العربية السعودية، ما فهم أن الرجل لا يريد أن يتجاوز المهام المرسومة له في هذه المرحلة، بخاصة في ظل إمساك أدوات صالح العسكرية والأمنية بصناعة القرار في البلاد، ممثلة بنجله أحمد وأبناء شقيقه الآخرين .

 

ويجد الكثير من المتابعين لمسار الأزمة في البلاد محاولة من قبل السلطة للإبقاء على الوضع على ما هو عليه، أي أن يبقى الرئيس صالح في منصبه كرئيس للبلاد، وأن يقوم هادي بمهام كنائب له لحين عودته، ومن هنا يفهم الحديث المتكرر عن عودة مرتقبة للرئيس صالح بين يوم وآخر من قبل مسؤولي النظام، في محاولة لتأكيد الحضور الرسمي للرئيس صالح، كما أن وسائل الإعلام الرسمية لا تزال تبث أخباراً حول نشاطات الرئيس، سواء لجهة استقباله لشخصيات في جناحه الملكي في المستشفى العسكري في الرياض أو إرسال برقيات التهاني لنظرائه رؤساء دول العالم .

 

ويرى المراقبون أن السلطة القائمة لا تريد التسليم بعجز الرئيس عن أداء مهامه، لذلك فهي تتحدث عن “توجيهات” يصدرها الرئيس صالح، وهو على فراش المرض لنائبه ولأركان حكمه لمعالجة الأوضاع، ومن أبرزها منح نائبه حق التوقيع على أي اتفاقية مع المعارضة لمعالجة الأزمة في البلاد، وهو ما فهم من حديث هادي الذي قال إنه مخول من الرئيس بالتوقيع على أي اتفاقية جديدة مع المعارضة، بخاصة بعد أن كثر الحديث عن إحياء المبادرة الخليجية وضرورة إجراء تعديلات عليها لتكون مواكبة للأحداث والتطورات التي حملتها حادثة الجمعة في الثالث من شهر يونيو/ حزيران الماضي، وهي حادثة غيرت من مشهد الأزمة بشكل كبير .

 

وفي مقابل المشهد السياسي، استمر شباب الثورة في ساحات التغيير في الاحتشاد بشكل يومي، وإن أثرت في حشودهم المعارك التي تدور في محافظة تعز، التي تشهد منذ نحو شهر معارك شبه يومية، وتحولت إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، إضافة إلى تأثير الاحتياجات اليومية في الحضور الفاعل في الساحات، حيث قل عدد التجمعات في بعض المحافظات، مثل عدن بسبب الأوضاع الاستثنائية التي يعيشها أهاليها نتيجة للنقص الواضح في المشتقات النفطية وانقطاع الكهرباء وغيرها، إلا أن الساحات ممتلئة في العاصمة صنعاء وتعز والحديدة والبيضاء وإب وغيرها .

 

ويبدو أن خيار التصعيد لدى شباب الثورة لا يزال هو الأفضل بالنسبة إليهم، بخاصة مع الحديث عن ترتيبات سياسية بإشراف خارجي، للتقريب بين السلطة والمعارضة، وهي ترتيبات يرى فيها الشباب، محاولة ل “سرقة الثورة” وتصويرها على أساس أنها أزمة سياسية، وليست ثورة تريد التغيير واقتلاع النظام بكافة مؤسساته ورموزه .

 

هل هناك تسوية؟

يخطئ من يعتقد أن الأزمة في اليمن يمكن حلها باتفاق سياسي تحضر فيه أطراف وتغيب عنه أطراف أخرى، فأزمة اليمنيين كانت على الدوام ناتجة عن إقصاء أطراف سياسية من التسويات التي تعالج أزمة الحكم، والتجارب في ذلك كثيرة، لذلك فإن المراقبين السياسيين يرون ضرورة تواجد القوى السياسية القائمة كافة في الساحة في أي تسوية منتظرة .

 

من هنا يمكن فهم الرسالة التي بثها التلفزيون الرسمي لوزير الخارجية الدكتور أبوبكر القربي عندما قال إنه يحمل تأكيدات من الرئيس صالح أثناء لقائه به في السعودية على ضرورة الدخول في حوار جاد مع المعارضة لإيجاد آلية لتنفيذ المبادرة الخليجية وللتعامل مع بيان مجلس الأمن الدولي، والبدء بحوار سياسي شامل يشارك فيه الجميع، بمن فيهم الحوثيون والحراك الجنوبي والقادة السياسيون الموجودون في الخارج .

 

وهذه الإشارة فيها الكثير من التنازلات، فلم يكن الرئيس علي عبدالله صالح يفكر أن يأتي اليوم الذي يمكن أن يجلس فيه الحوثيون والحراك الجنوبي وقادة الخارج إلى طاولة حوار مع السلطة، فقد كان الحوثيون بالنسبة إليه “قوى سياسية تريد عودة الملكية وإزالة النظام الجمهوري”، ويصف أنصار الحراك الجنوبي بكونهم “انفصاليين يريدون العودة إلى التشطير”، أما قادة الخارج فهم “خونة وعملاء”، ووفق هذه التوصيفات كان يرفض أي حوار مع أي من هذه الأطراف .

 

وفق هذه القاعدة الجديدة يمكن لليمنيين أن يتحاوروا لإيجاد نظام جديد يكون بديلاً عن النظام السياسي القائم، نظام لا يقصي الآخر ولا يستبعده، وأن يكون الجميع مشاركاً في صناعة القرار حتى لا تتكرر الأزمة التي يعيشها اليمن منذ سنوات طوال، فالحديث عن الانتخابات في ظل اختلال موازين القوى أمر غير مجدٍ الآن، صحيح أن الصناديق هي الفيصل في تحديد هوية رئيس الدولة، لكن ذلك يبقى في اليمن “نظرياً”، فما لم يتم تحييد الجيش والمال العام والوظيفة العامة والإعلام الرسمي، فإن الحديث عن صناديق الاقتراع يبقى غير قابل للتصديق في الحالة الراهنة، ثم أن الرئيس صالح حكم البلاد ل 33 سنة، وقد حان الوقت للتغيير، والتغيير المطلوب ليس للمعارضة فحسب، بل وحتى للتجديد داخل منظومة الحكم أساساً، فمن غير المعقول ألا يجد الحزب الحاكم مرشحاً لرئاسة الدولة وفيه من الكوادر الكثير ليكونوا مرشحين أقوياء في مواجهة خصومهم .

 

3 خيارات

السؤال المطروح على الساحة اليوم: أي تسوية يمكن أن ترضي الأطراف السياسية كافة، وهل يقبل بها الجميع أم تبقى البلد في أزمة مستمرة وتدخل في تداعيات لا يرتضيها الكل ؟

 

هناك سباق لإيجاد مخرج أو تسوية سياسية تقبل بها الأطراف الفاعلة كافة في الساحة، وتشارك في هذا السباق المحموم لإيجاد هذه التسوية للأزمة دول إقليمية ودولية، حيث يطرح أكثر من خيار، من بينها خيار الأخذ بالمبادرة الخليجية، التي لا تزال تحظى بدعم المعارضة والسلطة معاً، نظرياً على الأقل، إذ إن لكل طرف تحفظات عليها، وإن كان لا بد من إجراء تعديلات على بعض بنودها حتى تصبح قادرة على تطويع الأزمة لصالح تثبيت الأمن والاستقرار، وقد صار الجميع على قناعة من أن القبول بالمبادرة الخليجية التي تضع الجميع على قدم المساواة في فترة انتقالية مؤقتة ضرورية قبل أن يحسم اليمنيون أمرهم بانتخاب رئيس جديد للبلاد .

 

المشكلة أن عمق الأزمة غيرت من قواعد اللعبة السياسية في البلاد، ووضعتها أمام ثلاثة خيارات:

أولاً: إن إجراء الانتخابات بعد ستين يوماً من استقالة الرئيس، أو ثلاثة أشهر من بدء تطبيق بنودها، حسب المبادرة القائمة، ستكون صعبة، فالبلد تعيش أوضاعاً مزرية، وانتخاب رئيس جديد في ظل هذه الأوضاع سيخلق مولوداً مشوهاً، وقد يكون هذا المولود مدعاة لبروز أزمات جديدة، وبالتالي فإن قضية تعديل البند الأول من المبادرة والمتعلق بتشكيل حكومة وحدة وطنية ومن ثم تقديم الرئيس استقالته إلى مجلس النواب لقبولها أو رفضها في غضون شهر لم تعد مجدية، فالأولى أن يجري تعديل هذا البند ليصار إلى نقل السلطة مباشرة إلى نائب الرئيس الحالي عبدربه منصور هادي لسبب موضوعي أهمه الوضع الصحي للرئيس صالح، والذي تشير معظم التقارير عن حالته الصحية إلى أنه أصبح غير قادر على أداء مهامه كما كان عليه الوضع قبل الثالث من شهر يونيو/ حزيران الماضي، لهذا تبقى مسألة نقل صلاحياته الكاملة بموجب الدستور إلى نائبه مقدمة مهمة نحو الحل .

 

وفي حال فشل الأخذ بالمبادرة الخليجية فإن أمام اليمنيين خياراً آخر يتمثل في نقل أزمتهم إلى مجلس الأمن الدولي، وهذا الخيار سيضع الجميع تحت المجهر، وسيعرض البلد إلى خيار أشبه ما يكون خيار “الوصاية الدولية”، لهذا فإن نقل القضية من أروقة بلدان الجوار إلى مجلس الأمن الدولي سيكون أسوأ الخيارات .

 

وهناك خيار ثالث ويتبناه شباب الثورة في ساحات التغيير ويتمثل بتشكيل مجلس انتقالي، وهو خيار أعلنت المعارضة أنها تدرسه بجدية، وأظهرت جديتها في ذلك من خلال تشكيل لجان لدراسته والتعاطي معه في حال لم يتم التوصل إلى أي من الحلول التوافقية، وهذا الخيار سيكون محل رفض السلطة القائمة، التي ترى فيه “انقلاباً على الشرعية” أو التوافق، بل أن بعض القياديين في حزب المؤتمر اعتبره مؤشر حرب .

 

وعلى الرغم من أن فكرة المجلس الانتقالي ليست جديدة، إذ طرحت مع الشهر الثاني لبروز الأزمة، إلا أنها كانت في إطار توافقي، بمعنى أنها طرحت لتشمل الجميع، سلطة ومعارضة، أما فكرة المجلس الانتقالي اليوم فإن حزب المؤتمر الشعبي، والذي مازال لاعباً رئيساً، يرفضها تماماً وسيعمل على مقاومتها بشتى الوسائل، بخاصة أن أدوات الحكم العسكرية والأمنية لا تزال قادرة، حتى اليوم على الأقل، على كبح هذا المشروع، فنجل الرئيس صالح لا يزال يمتلك القرار العسكري من خلال الإمساك بقوات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة وابن عمه يحيى محمد صالح لا يزال يتحكم في المؤسسة الأمنية الكبرى، وهي الأمن المركزي، وهو، كابن عمه، يرفض تماماً فكرة التنازل عن السلطة، ويقول إن الرئيس صالح سيعود إلى اليمن ليواصل حكم البلاد حتى انتهاء ولايته الرئاسية التي تنتهي عام ،2013 بل إنه وصف ما يحدث في ساحات التغيير ليس ثورة بل “مهزلة”، على حد تعبيره .

 

وعلى هامش هذه الخيارات للحلول تخرج بين وقت لآخر تسريبات تشير إلى حلول توافقية بإشراف إقليمي ودولي تقضي بأن يبقى الرئيس صالح رئيساً فخرياً بعد أن ينقل كامل صلاحياته إلى نائبه، على أن تكون الفترة الانتقالية بين ستة إلى ثمانية أشهر، وبعض التسريبات تشير إلى رغبة صالح في الاحتفاظ بمنصبه، شرفياً أيضاً، حتى نهاية عام ،2013 بحيث يتوافق ذلك مع “المسألة الدستورية” التي دائماً ما كان يطرحها حتى أثناء مناقشة آلية تنفيذ المبادرة الخليجية، والجانب الدستوري يتمسك به الحزب الحاكم كحجة لضمان المرحلة المقبلة، حيث يرى أن الانقلاب على الشرعية الدستورية سيكون مقدمة لانقلاب مماثل من قبل معارضي الرئيس المقبل .

 

وفي الإجمال، فإن الأزمة اليمنية التي خلفتها أشهر من المواجهات الدامية سقط فيها مئات القتلى وآلاف الجرحى، كانت امتداداً لاحتقان سياسي كبير لسنوات طوال، أخفقت فيه الأطراف السياسية في التعاطي الإيجابي معها، فمنذ سنوات والسلطة والمعارضة تتحدثان عن برامج للإصلاحات السياسية، إلا أن الحزب الحاكم ظل يعتقد أن الإصلاحات هي “انقلاب على الشرعية الدستورية”، فيما ظلت المعارضة تبحث عن تسويات كانت ستنتج إصلاحات مشوهة .

 

كان على الحزب الحاكم أن يسلم بمبدأ “التداول السلمي للسلطة”، لا أن يتم “قلع العداد”، كما صرح القيادي البارز في حزب المؤتمر الشعبي العام سلطان البركاني، بمعنى آخر لم يكن لدى المؤتمر الشعبي نية الإصلاحات السياسية الحقيقية، بل كان يسعى إلى التمديد للرئيس صالح، رغم مرور 33 سنة على حكمه، ولو لم تأت رياح التغيير التي اجتاحت مصر وتونس، لم يكن للمؤتمر ليتراجع عن مشروع التمديد، وبالتالي التوريث اللذين يتناقضان بشكل كامل مع النظام الجمهوري ومع الخط السياسي الذي انتهجه اليمن عند إعلان قيام دولة الوحدة عام 1990 بتبني التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة .



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك