لم يكن أحد يتصور أن تصل اليمن إلى ما وصلت إليه من تدهور في الحياة المعيشية والخدمية والأمنية، ناهيك عن تدهور العملية السياسية المختلة في أساسها، وبرغم علمنا أن اليمن تدار بحكم يفتقر إلى أدنى معايير الكفاءة معتمدا في تسييره لأمور البلاد على عنصر القوة والعقلية الأمنية وتفتيت المجتمع باصطناع الأزمات التي يتوهم الحكام أنها قد تلهي المواطن عن حلمه بالأمان والاستقرار والخدمة الضرورية التي هي في صلب مهمات من يحكم البلد فإن المخيال السياسي لم يكن يتصور الإمعان في إيصال الأمور إلى ما وصلت إليه من انهيار.
اليوم يتشبث أبناء الحكام وأقربائهم بكرسي الحكم تشبث النشال بغنيمته، وهم يعلمون أنهم عاجزون عن توفير أبسط الضروريات الحياتية، من ماء وكهربا وغذاء ودواء، فضلا عن أنهم يتعمدون إخفاء الكثير من هذه الضروريات اعتقادا منهم أنهم بذلك يثبتون أن حصول المواطنين على هذه الضروريات يرتبط بوجود علي صالح على رأس الحكم، ونحن نعلم أنهم قد حولوا هذه المعاناة التي يكتوي المواطنون بنيرانهما إلى تجارة رابحة يجنون من ورائها المليارات من خلال الاتجار بهذه الضروريات في السوق السوداء، وهو ما يعني أنها متوفرة في البلد لكنهم يتعمدون معاقبة الشعب بإخفائها والمضاربة بها.
لم يكتف المتشبثون بكرسي الحكم بكل ذلك بل راحوا يشنون الحروب الضارية ضد المواطنين المدنيين، ففي حين يهربون كالفئران من هجمات المسلحين في أبين ومحيط عدن يستأسدون عندما يتعلق الأمر بمهاجمة المدنيين في تعز وأرحب ونهم وفي أبين أيضا، حيث يستسلمون لعشرات المسلحين لكن هجماتهم تتجه نحو منازل المواطنين المدنيين والقادة المعارضين.
لم يشعر هؤلاء بالخجل أنهم ألحقوا باليمن هذا الكم من الأذى، ولم يحسوا بالحرج أنهم لم يقوموا بأي مجهود من أجل إشعار المواطن بأنهم حقا يضطلعون بوظيفة الحاكم الشرعي كما يتبجحون، فهم ليسوا مكترثين بشيء من كل ذلك قدر اكتراثهم بالبقاء على كرسي الحكم ونهب موارد البلد، ولو ذهب الشعب اليمني إلى الجحيم.
إن اليمن الشعب والأرض والتاريخ والإنسان لا يستحق كل هذا الإمعان في الإهانة والتعذيب، كما إن المواطن اليمني الذي يبدع أينما حل خارج اليمن، تحول اليوم داخل بلاده إلى مجرد باحث عن لتر الوقود وقطمة الأرز، أو قنينة الماء وقرص الإسبرين، بعد أن فشل من أناط بهم توفير هذه الضروريات في تلبيتها ولو جزئيا.
اليمن واليمنيون يستحقون أن يعيشوا قدرا ولو ضئيلا من الكرامة والسكينة والحرية والعدل والأمان وهي قيم افتقدوها في ظل حكم عاث في الأرض فسادا، وعندما حان موعد رحيله أبى الممسكون بأدواته إلا أن يتحدوا إرادة الشعب والقدر والتاريخ، وأن يقفوا في مواجهة عاصفة التغيير حتى وإن تركوا اليمن حطاما.
يا هؤلاء! تتذرعون بأن المعارضة والشباب هم السبب في اختفاء الوقود والمواد الغذائية والأدوية وانقطاع التيار الكهربائي، وانهيار الأمن وتلاشي المؤسسات، وكأنكم لا تعلمون أو كأن الشعب لا يعلم أن وزارات النفط والتموين والكهرباء والمالية فضلا عن الداخلية والأمن والدفاع، بأيديكم وليست بأيدي المعارضة أو شباب الثورة ، وادعاؤكم هذا يكشف أنكم تتعمدون إذلال وإهانة الشعب اليمني الأبي الكريم الذي تعلمون، وربما لا تعلمون، أنه يمتلك من الإرادة والقوة والصبر ما يتفوق به على كل أسلحتكم وألاعيبكم التي لا بد أن يأتي اليوم الذي تنضب فيه وتصبح جزءا من الصفحات المشينة في التاريخ اليمني.
برقيات
*كنت وما زلت أتمنى أن يبقى الرئيس وأركانه أقوياء حتى نتواجه معهم سياسياَ وهم في كامل قواهم الجسدية والذهنية، ولأننا لسنا طرفا في ما تعرض له الرئيس وأركان حكمه، فإننا مرة أخرى إذ نعلن ارتياحنا لتحسن صحتهم، سنظل كما كنا نرفض السياسات التي يديرون بها البلاد، ونتمنى عليهم أن ينصاعوا لإرادة الشعب أصحاءً كانوا أو مرضى ويدعوا الشعب اليمني يقرر مصيره بنفسه.
* حتى المعونة السعودية من النفط ومشتقاته، اختفت من الوجود، . . اختفت قبل وصولها إلى الأسواق وهو ما يعني أن النهب لم يقتصر على موارد البلد المحلية، بل امتد إلى الإعانات والهبات التي غدت موضوعا للمضاربة والتهرب وجني المليارات غير المشروعة.
* قال الشاعر صفي الدين الجِلِّي:
لما رأيت بني الزمان وما بهم خلٌّ وفيٌّ للـــشدائد أصطفي
أيقنت إن المســــــتحيلَ ثلاثةٌ: الغولُ والعنقاءُ والخلُّ الوفي
المصدر أونلاين



شارك برأيك