أحزان بائع الفل

رمضان الاستثنائي على بعد شهقة، وقوائم الطلبات السنوية المعتادة ليست كما هي، بل زادت، وزادت معها هموم أرباب الأسر، فـ"العيال كبرت" والأسعار ارتفعت إلى ما لا يطاق، والحديث عن ضمير وطني أو وازع ديني لدى التجار أشبه بالحديث عن جماعة من خولان تؤدي زامل في البريقة، لا أحد ما يقولون.


رمضان هذا العام اكتسب استثنائيته من الحدث الثوري والسياسي الذي تشهده اليمن منذ ستة أشهر، وهو حدث فريد نوعه في كل تاريخ اليمن القديم والحديث، فرغم تعدد الثورات اليمنية والانقلابات السياسية والعسكرية لم يحدث أن خرج الشعب إلى الساحات والميادين يطالب بخلع رئيس وإسقاط نظام ومحاكمة رموز وطنية أساءت استخدام وظيفتها العامة.


هذا الحدث العظيم له تبعاته العظام: مئات الشهداء، وآلاف الجرحى، الحزن المجاني يلف كل بيت، قذائف الحاكم توزع مجاناً وبطرق عشوائية في أبين وتعز وأرحب والعاصمة، مخالب اليد القابضة تحاصر كل شريان في أعناق الناس، حتى ذلك المواطن البعيد المغروس في مزرعته كشجرة فيها، عليه أن يدفع ثمن الحرية التي لم ينادي بها، عليه تذوق الحياة التي يعيشها أبناء المدن، حياة خالية من الماء والكهرباء والغاز المنزلي والديزل والبنزين، وأسعار المواد الغذائية، تخضع لرقابة "المزاج"، فالدولة التي كانت تعيش بنصف هيبة، سقطت كل هيبتها، وأنظمة أداءها، وأصبح الناس رهن ضمير التاجر، والأخير يُسمع الجميع نفس المعزوفة: الدولار ارتفع، الاستيراد متوقف، حركة التنقلات مجمدة بسبب انعدام الوقود، وانقطاع الديزل أوقف المحاصيل في المزارع، والشاحنات في الطرقات.


الأسبوع الماضي وزعت قلبي بين أحزان الناس: استمع لـ"حسين" المزارع القادم من صعدة في أقاصي الشمال، وهو يقول: "لا ديزل نشغل المضخات ونسقي مزارع الرمان، ولا شاحنات تنقله إلى المدن، في العامين الماضيين حصدت الحرب مع الحوثيين مزارعنا، وهذا العام يأكلنا عدو مجهول!!"، وخالد من خولان شاب يحمل نسخة من حزن أخيه، ويبكي مزارع العنب الجافة، غير أن "دغيس" بائع الفل التهامي يحاول فلسفة حزنه، ولا مفر من تحجر دمعة، أو تشبث أسىً بأخاديد وجهه المتعب: كل عام في مثل هذا الموسم نبيع فل بقيمة 10 – 15 مليون، وهذا العام والله ما وصلت 800 ألف ريال، الفل جف في المزارع كيف نسقي والديزل معدوم، ومن فين نوفر ثلج للثلاجات الصغيرة، عشان تحفظه وكم تكاليف النقل للمدن!!؟


يملأ الحزن عينيه، ويضيف: أنتم تشتروا الفل عشان تفرحوا بمناسباتكم، خلاص خلينا كلنا بلا فرح... الشعب مش كله ثائر، ليش يعاقبونا بعملكم!!.


"دغيس" يعتقد أن الشعب يُعاقب بسبب بحثه عن حريته، ورغبته في الانعتاق، ويعتقد العميد أحمد علي نجل الرئيس صالح أن تركيع الشعب وخنقه حتى في قوت أطفاله، سيجعله "يتوب" عن التفكير بالتغيير، ويجعل الذهاب إلى ساحات وميادين الحرية أشبه بـ"جريمة عار"، لا أحد يريد أن تلحقه.


رمضان على الأبواب وبقايا النظام العائلي لا تزال تتذرع أن أعضاء اللقاء المشترك هم السبب وراء أزمة الوقود والكهرباء والماء والغذاء، والفلتان الأمني في كل اليمن.

 

للشعب اليمني خصوصية تجعل الدين قيمة سائدة ومهيمنة على المجتمع، ومعظم أعراف القبيلة متسقة مع قيم الدين، وليس في الدين والعرف ما هو أعلى قيمة من الإنسان، سيما إذا تعلق الأمر بمأكله ومشربه، وعادة اليمنيين المتوارثة في العزائم والموائد الرمضانية من المؤكد أنها ستنخفض هذا العام إلى أدنى مستوياتها، فالمواد الغذائية أما منعدمة أو بأسعار خيالية، والغاز المنزلي في حكم النادر، والكهرباء والماء والبنزين والديزل دخلت غياهب المجهول، وحالات لا تحصى توثق كبار ضباط الأمن العام والمركزي والسياسي والقومي، وقادة الجيش والدولة ونافذين وهم يتاجرون بالوقود وأقوات الناس، ولا أحد يسأل أو يحاسب، ومن يديرون البلاد في هذه اللحظة لا شك أنهم شركاء في خنق الناس بهذه الأزمات القاتلة، دون مراعاة أو تفكير في رفع المعاناة عنهم، على الأقل إكراماً لله في هذا الشهر الكريم.


وأقول ستنخفض عادة الكرم، وليس تنقطع لأن الرسول الكريم يقول عن أهل اليمن:‏ ‏إن ‏ ‏الأشعريين ‏ ‏إذا ‏ ‏أرملوا ‏ ‏في الغزو أو قل طعام عيالهم ‏ ‏بالمدينة‏ ‏جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم".‏

 

عن صحيفة الناس بالاتفاق مع الكاتب.



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك