تحتل الشائعات مكانة خاصة للغاية في قواعد وأسس ما أُصطلح على تسميته بـ"الحرب النفسية" لما لها من خطورة وتأثير قوي للغاية في نفسية وعقول الأفراد والمجتمعات وخلق إتجاهات معينة لدى أولئك الأفراد ودفعهم في بعض الأحيان إلى إرتكاب تصرفات خاطئة مدفوعة بوحي من تلك الشائعات..
والناس – في العادة – لا تتوقف عند الشائعة طويلا وفي معظم الأحيان لا تناقشها أو تمحصها لتتبين صحة الشائعة من زيفها .. ولكنها تصدق فورا بل ويتطوع الكثيرون بترديد الشائعة ونقلها من فرد لآخر وهم بذلك يساهمون – بدون أن يدركوا- في تضخيمها وترسيخها وتغلغلها بما يحقق الهدف الذي أُطلقت هذه الشائعة من أجله في المقام الأول!
وكمثال على تداول الناس للشائعات يمكن التوقف عند الانفجار الذي استهدف القصر الرئاسي فيما عُرف بـ"حادثة النهدين".. فبعد الحادث مباشرة وحتى اللحظة الراهنة كثرت الأقاويل التي تتحدث عن هذا الحادث معطية معلومات وصل بعضها إلى حد المبالغة بل ووصلت بعض الاستنتاجات التي تصف أو تحلل ما حدث إلى ما يشبه أفلام هوليود ذات الدرجة الثالثة!
والغريب أن كل هذه الاستنتاجات أو التحليلات التي وصفت ما حصل وما تبع ذلك الانفجار وتكلمت عن إصابات الرئيس ومعاونيه لم تستند إلى أدلة واضحة أو حتى قرائن منطقية .. بل اعتمدت على استنتاجات إما شخصية أو على قراءات وتحليلات اعتمدت على الروايات الرسمية سواء التابعة لأجهزة الدولة أو المصادر الرسمية التابعة لدول أخرى كالسعودية مثلا.. ولكن لم يستطع أحد إلى الآن أن يؤكد برواية صحيحة ودقيقة مستندة إلى أدلة واضحة ما الذي حصل بالضبط في ذلك الحادث وهل كان ما حصل محاولة اغتيال بالفعل أم مجرد تمثيلية محبوكة بعناية ؟
ووصل الأمر بالكثيرين خصوصا من جهة المعارضة وشباب الثورة إلى إضفاء الكثير من المبالغة في جانب وصف الدمار والأذى اللذان لحقا بالرئيس وكبار مسئوليه وأنهم ربما في عداد الموتى ولكن الأمر لم يُعلن رسميا بعد !! وربما يمكن تبرير هذا الأمر برغبة شخصية مفهومة في أن يكون هذا ما حصل بالفعل ولكن تمني حصول الأذى للخصم شيء والاعتراف بالحقائق التي يفرضها الواقع شيء آخر .. ومن الخطأ الشديد والفادح أن يدفع التمني بالمرء إلى أن يتخيل حدوث أشياء لم يثبت قطعا أنها حدثت أو ينساق وراء أوهام وتصورات ليس لها أدلة ولكنه يقنع نفسه بوجودها ثم يصدق من باب التشفي وطمأنة النفس ولو بوهم كاذب!
ومكمن الخطورة هو مقدار الصدمة التي يمكن ان تحدث لدى أولئك الذين توهموا وتمنوا وصدقوا.. ففي البداية كان من الملاحظ أن هناك تركيز كبير ومتعمد يضخم من إصابات الرئيس اليمني ويعطيها طابع درامي وتطوع البعض بإضفاء لمسات وأحداث درامية على الموضوع بدون أن يكون هناك أي حقائق واضحة ومحددة تدعم هذا السرد أو تنفيه !! وحين بلغت الشكوك والتساؤلات مداها لدى الطرفين "النظام والمعارضة" ظهر الرئيس في أول تسجيل بحالة مزرية للغاية وبدلا من إعمال العقل والتفكير بروية ومنطقية فيما يحدث وقع الجميع في نفس الخطأ مجددا واندفعوا أولا في التشفي والشماتة ثم في سرد التحليلات والاستنتاجات عن حالة الرئيس "البائسة" وحتى هنا لم يتم الاعتماد على أدلة بل استندت كل التحليلات إلى المشهد الذي ظهر فيه الرئيس بتلك الصورة المتعمدة – والتي ربما كانت مفبركة-! وإذا كان الظهور الأول للرئيس سبب إحباطا كبيرا لدى أولئك الذين ظنوا- أو تمنوا- أن الرئيس قد مات فإن الظهور الثاني له سبب إحباطا أكبر لدى أولئك الذين صدقوا الحالة الصحية المزرية التي ظهر فيها الرئيس أول مرة وما لبث هذا الظهور الثاني أن دحض ذلك التصور بموت الرئيس وأدى إلى تخفيض سقف التوقعات المتشفية وفاجأ الجميع بأن الرئيس لم يمت أو أنه انتهى فعليا بل هاهو يستقبل الضيوف ويمارس مهامه كرئيس دولة .. ثم تلا ذلك ظهورا ثالثا وفي كل مرة يبدو الرئيس بصحة أفضل وبصورة مغايرة تماما لكل تلك الروايات والشائعات التي لازالت تتدفق وتنتشر بدون أي محاولة للتمحيص والتدقيق والفرز المنطقي..!
ويمكن رصد المظاهر التي ترتبت على تصديق الشائعات الأولى حول ما أصاب الرئيس وحالته الصحية فيما يلي:
- التسرع في الاحتفالات بنصر لم يتأكد بعد وحصول ما يشبه "الاسترخاء" الذي تحول فيما بعد إلى جمود وركون..
- الشعور بالنصر وتحقيق الهدف وتمثل هذا في إطلاق شعارات "الشعب خلاص أسقط النظام" "علي رحل وسنبني اليمن من جديد" ثم عاد الثوار الآن لاستخدام شعار "ارحل"!
الشائعة الأخرى أو الخبر الذي كثر تداوله مؤخرا هو القول أن الرئيس اليمني لن يعود لأنه خضع لضغوط الأصدقاء والأشقاء .. والتحليل المنطقي لهذا الخبر يقود إلى تساؤل مهم وهو هل الرئيس فعلا ينتوي العودة وأن القرار بيده والطريق "سالك" لولا "هذه الضغوط"؟ وماذا عن تهديد القبائل له وإهدار دمه الذي سبق حادث النهدين؟ وماذا عن استمرار علي محسن وغيره من قادة الجيش والمنشقين عن النظام في دعم الثورة؟ إن دولة مثل السعودية معروفة بمواقفها العدائية للشعب اليمني يمكنها ان توظف مثل هذا الخبر لمصلحتها بحيث تظهر أنها تقف إلى جانب الشعب اليمني رغم أن الواقع عكس ذلك!
وباختصار.. فإنه من الخطأ تماما أن نسمح لأنفسنا بتصديق الشائعات والمساهمة في ترويجها قبل التيقن من فحواها وتمحيصها من كل النواحي..فالأثر السلبي والصدمة النفسية التي تترتب على هذا قد تكون فادحة ومحبطة على نحو عنيف .. إلى جانب أن تصديق الشائعات يؤدي إلى تصرفات خاطئة وقد يُغري بممارسات بعيدة عن الصواب وهذه تُعد من الأهداف الأساسية للشائعة وهي توجيه الناس إلى تفكير أو تصور معين وبالتالي يقومون بتصرفات تنطلق على أساس هذا التصور..
فحذار من الشائعات ..وحذار من الصدمات!
المصدر أونلاين







شارك برأيك