يوماً بعد يوم تزداد الأوضاع في اليمن تعقيداً، فالأوضاع الاقتصادية المتدهورة على رغم أن عائدات النفط، تسببت في إفرازات اجتماعية وأمنية خطيرة، استغلتها العديد من القوى الإقليمية والمتطرفة لزعزعة استقرار منطقة الخليج والجزيرة العربية.
ويبدو أن مشاكل اليمن الداخلية بدأت تنعكس على علاقاته الخارجية بشكل عام، وعلى جيرانه بشكل خاص، من خلال تصدير العنف والتطرف الناجمين عن بيئة الفقر التي يئن تحتها معظم أفراد المجتمع اليمني، حيث يعيش نصف السكان البالغ عددهم 24 مليون نسمة تحت خط الفقر، علماً بأن نصف عدد السكان أيضا تقل أعمارهم عن 14 سنة، مما يرشح الأزمة الاقتصادية للمزيد من التعقيد في السنوات القادمة.
ومثل هذه الأوضاع الخطيرة تتطلب معالجة لجذور الأزمة التي تعصف باليمن، وهي جذور اقتصادية تتمثل في تدني مستويات المعيشة وانتشار الفقر ومعدل البطالة العالي والبالغ 35 في المئة وانخفاض مستويات التعليم والصحة والخدمات الضرورية، إذ يعتبر اليمن واحداً من أكثر بلدان العالم تخلفاً في هذه الجوانب، كما تشير إلى ذلك بيانات الأمم المتحدة في تقاريرها الدورية، وبالأخص تقرير التنمية البشرية.
لقد قدمت دول مجلس التعاون الكثير من المساعدات لليمن على مدى أكثر من أربعين عاماً، بما فيها مشاريع استراتيجية، كإعادة بناء سد مأرب، إلا أن الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة في اليمن وسوء الإدارة الاقتصادية والزيادة الهائلة في أعداد السكان البالغة 3.5 في المئة سنوياً، والتي تعتبر واحدة من أعلى معدلات الزيادة السكانية في العالم ساهمت في تدني مستوى المعيشة وزيادة الطلب على السلع والخدمات والارتفاع المخيف في أعداد البطالة.
ومن هنا، فإن أحداً لا يستطيع مساعدة اليمن، قبل أن يقوم هو بمساعدة نفسه، من خلال استغلال عائدات النفط والغاز المتنامية لنشر الوعي بخطورة النمو السكاني المنفلت وإصلاح الإدارة الاقتصادية وضبط الأوضاع الأمنية لتشجيع الاستثمارات الخارجية، وبالأخص الخليجية التي تسعى إلى مساعدة اليمن للخروج من أزماته المزمنة.
ولذلك، فإن تعافي اليمن يمكن أن يبدأ من الداخل من خلال سياسات اقتصادية جريئة وقادرة على اجتثاث بؤر الفقر، على أن تساهم دول مجلس التعاون الخليجي في هذا الاتجاه، باعتبار أن أوضاع اليمن تعنيها بصورة مباشرة وتؤثر في أوضاعها الداخلية، كما أثبتت التطورات الأخيرة في أكثر من بلد خليجي.
وفي هذا الصدد اتخذت في السنوات القليلة الماضية خطوات عملية، تمثلت في دمج اليمن في مؤسسات خليجية مهمة، كالتعليم والصحة والصناعة والرياضة، والتي ستساعد اليمن على عملية إعادة البناء، فالقطاعات السابقة تطورت في دول المجلس لتصل إلى مستويات البلدان المتقدمة، في حين لا زالت متدنية في اليمن لتضعه في آخر القائمة في التصنيفات الدولية.
وفي المقابل، فإن اليمن يطمح للاندماج بصورة أكبر في المنظومة الخليجية، إلا أن ذلك بحاجة إلى عمل شاق ومضنٍ لرفع مستويات المعيشة لتصل إلى مستويات قريبة من مستوياتها في دول المجلس الست التي هي متقاربة، حيث يصل متوسط دخل الفرد في دول المجلس إلى 23 ألف دولار سنوياً، في مقابل ألفي دولار فقط في اليمن.
ومثل هذا التفاوت يشكل عقبة أمام الاندماج الكامل لليمن في المنظومة الاقتصادية الخليجية، إلا أن الشق الثاني من معالجة أزمة اليمن يتمثل في إمكانية توسيع مجالات الدعم الاقتصادي في المرحلة الحالية لمساعدته على تجاوز الأزمات التي تعصف به، كأن يخصص صندوق على سبيل المثال لتنمية اليمن يتم من خلاله ضخ استثمارات في القطاعات الاقتصادية اليمنية لتنفيذ مشاريع حيوية وتوفير فرص عمل، وتطوير القطاعات الإنتاجية والخدمية التي يتمتع فيها اليمن بأفضليات إنتاجية.
إن توجهاً من هذا النوع يمثل مصلحة خليجية، مثلما هو مصلحة يمنية، كما أنه يشبه إلى حد كبير برنامج الاتحاد الأوروبي الرامي إلى مساعدة البلدان \"المصدرة\" للأيدي العاملة المهاجرة إلى أوروبا وتنفيذ مشاريع كبيرة في بلدانها الأصلية لتوفير فرص العمل هناك، وبالتالي الحد من الهجرة الباحثة عن فرص عمل في البلدان الأوروبية، وفي الوقت نفسه تنمية هذه الاقتصادات وإبعادها قدر الإمكان عن بؤر العنف والتوترات الاجتماعية، حيث حقق الاتحاد الأوروبي بعض النجاح في هذه التوجهات التي بدأت مؤخراً.
والواقع أن الخروج من أزمات اليمن ذات الطابع الاقتصادي بصورة أساسية أمر ممكن، إلا أنه بحاجة إلى جهود إضافية داخلية وإقليمية مكملة لبعضها بعضاً، وخصوصاً أن أسعار النفط تتجه للارتفاع في السنوات القادمة، كما تشير كافة التوقعات، مما يوفر فرصة نادرة لاستغلال ثروات النفط اليمنية والمساعدات الخليجية لانتشال اليمن من مستنقع العنف والتطرف، ووضعه على طريق الازدهار والتقدم الاقتصادي والاجتماعي.
الاتحاد الاماراتية







شارك برأيك