ليت كولن باول وزير خارجية أمريكا الأسبق لم يذرف دموعه حين رأى جدار برلين يتهاوى منذراً بسقوط المعسكر الشرقي الاشتراكي في أواخر الثمانينيات، غير أن باول الجنرال الرفيع في الجيش الأمريكي وقتها علل سقوط دموعه بأن "العدو الحقيقي يثبت أقدامك على الأرض".
الآن، بعد أكثر من عقدين على زخم الشيوعية، يبدو أن دموع بأول الرأسمالية كانت مشفقة على عدوه المتكلس، فهذا العدو ظل مسجوناً في نفسه، لم ينفتح أو يتجدد مع الحياة، من الفكر المهيمن إلى وسائل النقل.
لطالما شكت روسيا من "خيانة" النخبة الحاكمة لسياستها، وذكّرت التاريخ بمواقف كثيرة جحد فيها العرب فضائل الروس من القمح إلى السلاح، وظل التوجس مخيماً على العلاقات العربية الروسية، حتى أن الرئيس السابق فلاديمير بوتن قال للعاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز أثناء زيارة الأخير لموسكو: "أنتم العرب أعطونا موقفاً صادقاً وستجدوننا في المقدمة!!".
مع إطلالة ربيع الثورات العربية ظن عدد من المحللين أن الفرصة فتحت ذراعيها للروس، وأن موسكو ستكرس ثقلها ودبلوماسيتها للإطاحة بالنخب الحاكمة الهرمة، المرتمية في أحضان أمريكا، وأنها ستسعى لبناء علاقات جديدة مع نخب جديدة، لكن بدا من الواضح جداً أن صقيع موسكو لم يضر بأجساد الروس بقدر ما جمد عقولهم، فمنذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية وروسيا تؤازر موقف الحكام العرب، وتقف ضد أي قرار أممي يدين قمع وإراقة دماء المحتجين، في مشهد غريب لسياسة دولة لطالما شكت من الحكام العرب، فروسيا مدفيدف وبوتن ساندت بشدة بقاء مبارك والقذافي والأسد وصالح، واتهمت المعارضة بزعزعة الأمن و"أن بين أعضائها إرهابين"، لتكتمل البلادة بدعوة أعضاء من المجلس الانتقالي الليبي إلى موسكو لبحث أوضاع الشركات الروسية في ليبيا بعد الثورةّ!!.
المنطق المتحجر سحب نفسه إلى بلاط القصر الشيوعي الصيني، ووجدنا بكين تتحدث بلسان "ماو سيتنج" المناهضة للغرب، وتصر على موقفها "المعاند" لسياسة أمريكا، وبالتالي ترفض أي مساندة للثورات العربية، أما كوبا المملوكة لعائلة كاسترو فقد بالغت في صفاقتها، ففي الوقت الذي يعترف فيه القذافي بالمجلس الانتقالي ويدعوهم للحوار، نجد هافانا تسحب سفيرها من طرابلس وتعلن عدم اعترافها بشرعية المجلس الانتقالي!!.
ما يجري في السياسة الخارجية لروسيا يدفعني للشك بأن فاعل ما يقف وراءها، خدمة لأمريكا، وعلى موسكو أن تتذكر قصة العميل الذي عمل كأهم مستشاري أحد رؤساء الاتحاد السوفيتي في السابق، وكان رئيس المخابرات السوفيتية يشك بهذا المستشار بأنه عميل لأمريكا، وسعى بكل الطرق للإيقاع به وكشفه دون جدوى، وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وإحالة الرجلين إلى التقاعد، جاء اليوم الذي يجلس فيه الرجلان للمصارحة، فقال رئيس المخابرات للمستشار: لقد ظللت طوال فترة عملي أشك بأنك عميل لـ CIA دون أن أتمكن من كشفك، ومن دون مبالاة أجاب المستشار: نعم كنت كذلك، فصعق رئيس المخابرات من هذا الاعتراف، فقال المستشار: لم يكن بوسع أي جهاز مخابرات أن يكشفني، لأنني لم أكن استخدم رسائل أو فاكس أو شفرات أو أي وسيلة للتواصل مع CIA ، لقد كانت كل مهمتي أن اختار أكثر الناس سوءاً وفساداً وأقنع الرئيس بتعيينهم في مواقع قيادية، وإذا عرض علي الرئيس قائمة لاختار منهم قائداً في الجيش أو لوزارة اختار أكثرهم فساداً وأقلهم خبرة، وأرشحه... وهكذا تفكك الاتحاد السوفيتي.
على العكس من روسيا كان موقف أمريكا العبقرية، فقد "رعت مع الراعي وأكلت مع الذئب"، ساندت الحكام العرب واستنفدتهم، ثم وقفت مع حرية الشعوب الثائرة.
وروسيا اليوم تعلل سياستها تجاه الثورات العربية بأن هذه الأنظمة الأكثر شراء لأسلحتها، وكأن روسيا تدار بعقلية تاجر سلاح، فالقذافي وحده وقع عقداً مع الروس لشراء أسلحة نهاية العام الجاري بأربعة مليار دولار.
وكان بوسع روسيا والصين أن تقفا مساندة للثورات العربية وتبني علاقات جديدة تكون أكثر شفافية وأعمق صلة، أما وقد ناهضتا ثوراتنا العربية، فليس إلا المثل، ويجب على كل شباب الثورات أن يضغطوا على حكوماتهم الجديدة من أجل طرد الاستثمارات الروسية والصينية، وإعطاء الألوية لاستثمارات الدول المساندة وفي مقدمتها تركيا وألمانيا.
المصدر أونلايـن




شارك برأيك