بعض ما يُقال في سبتمبر

ما إن داهمنا سبتمبر حتى طفقنا نبحث في أوراقه المليئة بالأحداث الكثيرة والمثيرة وطنياً وعربياً وعالمياً، بما حملته وتحمله من تفاصيل ودلالات ودروس وتساؤلات، وفي مقالتين –هذه إحداهما- نحاول تناول بعض ما يعنيه شهر سبتمبر من أحداث وخواطر:


(1)
بمجرد ذكر الفاتح من سبتمبر يرد على الخاطر اسم العقيد القذافي مقروناً بصفة القيادة لما سمي بثورة الفاتح من سبتمبر، وهي الثورة التي لا يعرف المتابع عنها إلا الشيء القليل بسبب العقيد القذافي الذي طغى اسمه عليها وعلى من شاركه في القيام بها، ولم يُفهم منها سوى أنها انقلاب عسكري على نظام الحكم الملكي الذي عاشته ليبيا منذ الاستقلال والتحرر من الاحتلال الإيطالي، وظل الإنسان الليبي خارج تغطية الأنظمة التي أعقبت الاحتلال، وجاء الملازم القذافي ليكحلها فأعماها وزادها عمىً، وعندما بدأ الشعب يزمجر غاضباً قال العقيد: لو كنت رئيساً كنت لوحت بالاستقالة في وجوهكم، أراد أن يقول للشعب الليبي أنه لم يكن رئيسهم وكأن حيلته البائسة في التخلي عن الرئاسة عام 1977 بدعوى التفرغ لقيادة الثورة قد انطلت على الليبيين، بينما يستفرد هو وأبناؤه بسلطات الأمر والنهي في طول البلاد وعرضها، ليتحول انقلابه إلى مشروع عائلي ضيع ثروات الأرض الليبية وقدرات الإنسان الليبي، في صورة أشبه بما عندنا ولسان حالنا: كلنا في الهَم ليبيا، مع فارق أننا بدون «فاتح»!.


(2)
يمثل يوم الحادي عشر من سبتمبر تاريخاً فارقاً كما أراد له مدبرو الهجمات التدميرية التي طالت برجي التجارة العالمية في نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية، وتبعهم في ذلك من سهّل وتساهل من أجل تنفيذها لتحقق أهدافها المتشعبة التي لم نفهم منها شيئاً يمكن الوثوق به والتأكد منه والتأكيد عليه، غير التوظيف الأميركي لصالح تشديد القبضة الأمنية في الداخل الأميركي بما في ذلك من انتهاكات ناعمة لحقوق وخصوصيات المسلمين المقيمين في أميركا ولكل من يدخلها من المسلمين، وجر ويلات الدمار إلى عددٍ من البلدان العربية والإسلامية مع إعادة صياغة علاقة الإدارة الأميركية بالأنظمة السياسية في العالم العربي والإسلامي بناءً على البُعد الأمني وما يسمى بمكافحة الإرهاب، مما أعاد الثقة في نفوس بعض الزعامات من أجل لعب دور الشراكة في هذه المكافحة مقابل البقاء مدةً أطول في الحُكم، الأمر الذي أنعش «سوق البورصة السياسية» بفعل السياسات المتذاكية التي كانت تظن أنها تلعب على أميركا في حين أنها تلعب بأمن أوطانها، وتحولها إلى ساحة صراع لمن يدفع أكثر ويضمن البقاء في السلطة بل وتوريثها على هذا الأساس، لتصبح الشعوب ضحية بين خيارات ثالوث الخطر: الإرهاب، الاحتلال، والاستبداد، وهنا تحديداً تحضر الحقيقة وتختفي الشعارات المتلفعة بالدين والحرية والوطنية، ولو تحدثنا محلياً لجاز لنا أن نسأل عما قدمته القاعدة وأخواتها و أميركا وأعوانها لليمن!، أما الاستبداد فهو الوسيط المستفيد من الطرفين!.


لقد عادت الحياة لما خلفته هجمات 11 سبتمبر، وغيّب الموت مبرراتها التائهة بين جهادَي الدفع والطلب وما التبس على البعض من أولويات ووسائل لنصرة الإسلام والمسلمين على اعتبارات واهية، مثل من يقول بأن الإقبال على الإسلام في أميركا تضاعف بعد أحداث سبتمبر، وكأننا كنا بحاجة لمثل هذا العنف حتى نلفت نظر العالم للإسلام، مع أننا لم نقرأ هدف «التعريف بالإسلام» في بيانات التبرير والتأييد والمباركة لتلك الهجمات التي أدرجها متحمسون ضمن الغزوات الإسلامية!.

 

(3)
يوافق يوم الثالث عشر من سبتمبر ذكرى تأسيس التجمع اليمني للإصلاح، ومن يعرفون الإصلاح جيداً يعلمون أن تاريخه كفكرة وحركة يعود لما قبل 13 سبتمبر 1990، وتحديداً إلى قبل منتصف القرن الماضي بحسب ما تقوله الأحداث وبعض شهودها، أو كما يريد الإصلاح أن يعرف نفسه والامتداد التاريخي لنشأته من مجموعة من الطلبة والأدباء والمشائخ والعلماء، وهي المكونات البشرية التي ما تزال موجودة في الإصلاح مع بقية شرائح المجتمع، بالصورة التي جعلت الإصلاح ابن بيئته، مع ما استلهمه من بناء فكري متأثر بظروف النشأة الأولى التي كان لجماعة الإخوان المسلمين في مصر الدور البارز فيها بعد قدوم الفضيل الورتلاني إلى اليمن موفداً من إمام الجماعة الأستاذ حسن البنا، وفي كتاب «مصرع الابتسامة» للراحل حميد شحرة –يرحمه الله- ما يفيد ويكفي، وليس الإصلاح وحده ينتمي فكرياً إلى محيط أكبر من محيطه الوطني إذا ما بحثنا في نشأة الأحزاب والتيارات الأخرى، حتى لو ذهب بنا الاستطراد إلى القراءة في تاريخ بعض المذاهب والجماعات والأفكار التي وفدت إلى اليمن، وتلك طبيعة الحياة بما تموج به من حركة لا تتوقف.


يعتبر تجمع الإصلاح اليوم من أهم مكونات المشهد السياسي نتيجة لأمرين مهمين: الأول مكوناته البشرية (كَماً ونوعاً)، والآخر: ممارسته السياسية، التي جعلت منه رقماً صعباً في معادلة اللعبة السياسية من خلال الأحداث والمواقف وما اتسم به الإصلاح من مرونة واستجابة للمتغيرات، وبناء العلاقات في ضوء تلك المتغيرات، فقد تحالف مع الرئيس صالح خلال أكثر من 15 عاماً، ذلك التحالف الذي ساهم بفعالية في حسم حروب المناطق الوسطى في ثمانينيات القرن الماضي، وفي حرب تثبيت الوحدة في صيف 1994، ودعم انتخاب الرئيس في 1999، وقبلها المساهمة الناجحة في حل مشكلة الاحتلال الاريتري لبعض الجزر اليمنية التي انتهت عام 1998، وساهم هذا التحالف في تقوية الإصلاح وبقاء صالح، إلى أن تغيرت معادلة اللعبة السياسية في الرُبع الأخير من تسعينات القرن الماضي، استعد لها الإصلاح بتحالف جديد ينقض ما سبقه من تحالف بُني على أمل أن يقود مسيرة البناء والتنمية، وبما يحقق الخير للوطن وللشعب، وفي أقل الأحوال اتقاء الشقاق الذي درجت عليه علاقة الحكومات العربية بالحركات الإسلامية، لكن المؤشرات والنتائج دعت الإصلاحيين فيما يبدو إلى إعادة توجيه البوصلة، ورسم خارطة جديدة للنضال السياسي، خصوصاً وأن السلطة انتقلت من مسيرة الإخفاق في إدارة الأوضاع إلى محاولة تفجيرها في كل اتجاه؛ لتخرج سليمة من الأذى، ومُحاطة بشرعية «الضرورة»، مع إنهاك أي بديل محتمل، وقد استوعبت أبرز القوى السياسية المعارضة بما فيها الإصلاح ذلك الاتجاه في سياسة الرئيس صالح الذي بدا مولعاً بتوريث مواقعه الرسمية لأقاربه بكثير من الأوراق والمُشغلات والمشكلات التي عصفت بالبلاد، ومثلما كان الإصلاح أهم حليف لصالح وأهم حزب في اللقاء المشترك ها هو اليوم من أهم مكونات الثورة الشعبية السلمية، وهذا الحضور الفاعل يعكس حجم الإصلاح بما له وما عليه.


ومثلما واجه الإصلاح تحديات بقائه موحداً وقوياً، يواجه تحديات صمود الثورة وانتصارها، ثم المساهمة في بناء يمن ما بعد الثورة، حيث تكون المهام الأصعب، وهذا كله يتطلب من الإصلاحيين –كغيرهم- نُضجاً في التصور والمشاركة .. والتحمّل أيضاً.
 

المصدر أونلايـن 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك